ماذا... لَـوْ لَـمْ يأْتِ هذا الإطفائي الفرنسي إيمانويل ماكرون، والنارُ في بيروت تلتهمُ النفوسَ والبيوت، وفي لبنان نارٌ تحت الرمادِ وفوقَ الرمادِ نار.

 

سؤالٌ يُطْـرحُ بالأخصّ على أصحاب الثقافة المحنَّطة الذين فلسفوا زيارة الرئيس الفرنسي بخلفيِّةٍ عدائيَّةٍ تاريخية للغرب... هؤلاء الذين يجمِّدون التاريخ ويتجمّدُ التاريخ فيهم.

   

إنّها الثقافة المتوارثة من العصر العبَّاسي الثالث، حيث رُشِقَتْ فلسفة إبن سينا بالكفر ، وتعرَّضَ الخليفةُ العباسي المأمون للنقمة ، لأنه كان السبب في نقْـلِ الفلسفة إلى اللغة العربية.

 

هذه الثقافة، هي التي استوْلَدتْ فلسفة التخلُّف والعنْفِ عبر التاريخ في العالم العربي ، وصولاً إلى ما نشهدُه اليوم من التخبُّط المحموم في بُـرَكِ الدم.

 

على صعيدنا: سنخيِّبُ شهيّة الذين يحلُو لَهُمْ تحريف الكلام بهدفِ الإتِّهام فنسارع إلى القول: لا «ماكرون» ولا نابوليون، ولا الأم الحنون، ولا العمّ سام، لهمْ شأنٌ في حسابنا اللبناني.

 

نحنُ حدودُنا الوطنية تنطلق في خـطٍّ مستقيم صاعدٍ بين الأرض والسماء، بين الله تعالى وحـدَهُ لا شريكَ لَـهُ، ولبنان تعالى وحـدَه لا شريكَ لـه.

 

عودةً إلى «ماكرون»، ونكرّر السؤال: لولا هذا الماكرون، هل كان في استطاعة قصر بعبدا أنْ يُـنْجزَ ما حقّـقَهُ قصرُ الصنوبر على الصعيد الحكومي، وهل كانت لقاءاتٌ واتفاقاتٌ ومساعدات ومرفأ ومخططات وبرنامج إنقاذي لوطنٍ منكوبِ الحالِ مسلوب الإرادة والمال...؟

 

أوْ كان لبنان الغارق في العمق الكارثي يشهد «نهاية لبنان» بحسب ما أعلن وزير الخارجية الفرنسي...؟

 

سرُّ قـوَّةِ الرئيس ماكرون، ليس في الأسطول الفرنسي الحربي الرابض في المتوسط، وليس في الطائرات النفّاثة التي رسَمت العلم اللبناني في سماء لبنان، بـلْ بما تأبَّـطَ مِـنْ شـرِّ الملفّات التي تبّيـن بالتحديد: أين هي الأموال المنهوبة ومَـنْ هـمْ أصحابُها، وأين تـمَّ إيداعها وتوظيفها، مهدِّداً بفرض عقوبات على الطبقة الحاكمة كما جاء على لسانه في موقع «بوليتيكو» الأميركي.

 

نحنُ نعرف أنّ العلائق الدولية لا ترتبط بحـبٍّ أفلاطوني، بل تتحكّمُ بها المصالح الدولية.

   

مصلحةُ المجتمع الدولي، في ظـلِّ ما يتأجَّج في المنطقة من صراع مذهبي تكفيريّ عنيف، أَلاَّ ينهار لبنان التاريخي الحضاري التعدّدي الديمقراطي والرسالة الأنموذج، وإلاَّ فقد يتعرّض العالم بأسره لموجاتٍ شرسةٍ من الهمجية الإرهابية والعنف.

 

الرئيس ماكرون يتكلّم على خصوصية لبنان... المنسّق الخاص للأمم المتحدة يُـبرز نسيج لبنان الإجتماعي الفريد من نوعـه كأنموذج للتعايش والثقافة والشعب المنفتح... معظم رؤساء دول العالم تحدثوا عن الدور الذي يؤدّيه لبنان في منطقة الشرق الأوسط من خلال خصائصه المميّزة... قداسة البابا يقبّل العلم اللبناني ويصف لبنان بأنه مثالٌ للتعدديّة بين الشرق والغرب.

 

مِـنْ هنا، أن الرئيس ماكرون وبتنسيق دولي، لـم يـأتِ لـدَعْم العهد وسلاح حزب الله، بل لإنقاذ هذا اللبنان الأنموذج العالمي الفريد، بما يعكس من مردود إنساني وحضاري واستقراري على مستقبل المجتمعات العالمية وتقلّباتها.

 

يبقى الدور التاريخي الأهـمّ منوطٌ بالرئيس المكلّف مصطفى أديب الذي تمنحه المظلّـةُ الدولية قـدرةَ المواجهة على قاعدة: أنَّ العين تستطيع أنْ تقاوم الخردق.

 

وإنّ مِـنْ أوْلى الأوّليات الاَّ يكـرِّرَ خطيئـةَ الرئيس حسان دياب، الذي سقط بالضربة القاضية عندما خضـعَ لمشيئةٍ فوقيّة، فإذا حكومة الإختصاصيين حكومة أخصّاء، والوزير الحاكم وزيـرٌ محكوم، وخلـف كـلِّ وزير غـولٌ يلمّعُ الأسنان الذهب بالنِفْطِ والـدم.

 

حكومة الرئيس أديب لا تحتاج إلى برنامج وخطّـة ، فقد أُتْـخِمَ لبنان بالبرامج والخُـطَط، بقدر حاجتها إلى نزاهة أخلاقٍ ونظافةِ كـفٍّ ورأسٍ لا يطأطيء تحت عصا، ورُكبَةٍ لا تنحني برَفْسةِ قـدمٍ من خلْـف.

 

إذا لم يستطيع الرئيس أديب أنْ يفعل، فإنّـه يستطيع وبلسانٍ فرنسي أنْ يكرر قول الفيلسوف فولتير: «أعتقد أنني أخـلُّ بواجبي نحو الجمهورية ونحو الحقيقة إذا ما لَبثْـتُ أبْكم» فينسحب مِنَ الهيكل الوثني، ويضع الطبقة السياسية أمام غضب الشعب ولعنة التاريخ تلاحقهم آبـاء وبنيـن... «ولا تُعْجِبْـكَ أموالُهُـمْ وأولادُهُمْ إنّما يريدُ اللهُ أنْ يعذِّبَـهُمْ بها في الدنيا..» (2).

 

إنها الفرصة التاريخية الحاسمة: فإمّا أن يسجّلَ التاريخ إسم مصطفى أديب منقذاً، وإمّا أن يُسَجَّلَ إسمُه في أحـد أركان الزوايا المظلمة في نادي رؤساء الحكومات.

وإذْ ذاك عليهِ وعلينا السلام... ورحمةُ الله.

1- قصر الصنوبر: مبنى فرنسي في بيروت إستقبل فيه الرئيس ماكرون ممثلي الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية. 2- سورة التوبة: (85).