كان الجميع ينتظر العقوبات الاميركية، خصوصاً بعدما اعلن عنها مراراً اكثر من مسؤول اميركي، ورغم ذلك جاء الاعلان عن عقوبات طاولت الوزيرين السابقين، علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، صادمة للوسط السياسي اللبناني. ربما لأنّ التوقعات كانت تذهب في اتجاه اسماء اخرى. فما الذي حدث؟ وما هو المقصود تحديداً من الرسالة الاميركية الصاعقة؟

 

في العادة، فإنّ مسار رسو العقوبات على اشخاص معينين يحتاج الى مسار متعرّج وطويل داخل المؤسسات الاميركية. فهنالك الزامية الحصول على موافقة عدد من الوكالات الرسمية الاميركية، والتي لديها اختصاصات مختلفة للجمع ما بين الإمساك بأدلة، ودرس الجوانب المالية من كل نواحيها وطريقة التعامل معها مستقبلاً.

 

في كثير من الاحيان، فإنّ صدور هذه العقوبات لا يرتبط بالضرورة بتوقيت سياسي للبلدان التي تنتمي اليها الشخصيات المستهدفة، وبالتالي ليس من الضرورة ان تكون وزارة الخارجية الاميركية على اطلاع وافٍ بجوانبها. لكن العقوبات التي طاولت خليل وفنيانوس، كانت هذه المرة منسّقة جيداً وبشكل وثيق مع وزارة الخارجية الاميركية، بدليل التصريحات المسبقة لوزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو ومساعده لشؤون الشرق الاوسط ديفيد شينكر.


 
 

وبالتالي، فإنّ لهذا القرار جانباً سياسياً واضحاً، ورسالة اميركية سياسية لا لبس فيها، تولّى شينكر نقلها بصراحة: «يجب ان يكون للبنان من الآن وصاعداً سياسات مختلفة».

 

ولكن ماذا يعني ذلك تحديداً؟

 

استهداف علي حسن خليل، وهي الشخصية الاقرب الى الرئيس نبيه بري، دفع البعض الى الاعتقاد بأنّ للرسالة الاميركية علاقة بترسيم الحدود البحرية قبل موعد عودة شينكر الى لبنان. لكن شيئاً من التدقيق يُظهر انّ هذا التفسير غير دقيق، ولو أنّه قد يساعد في تسريع الإخراج المطلوب. ذلك انّ شينكر نفسه، وفي كلامه الصادر بعد دقائق على اعلان العقوبات، اعلن انّ الاتفاق حول ترسيم الحدود البحرية اصبح قريباً. ومعرباً عن امله في توقيع الاتفاق خلال الاسابيع القليلة المقبلة، اي مع عودته المتوقعة الى لبنان نهاية الشهر الحالي.

 

اذاً، اهداف الرسالة السياسية للعقوبات هي ابعد من مسألة ترسيم الحدود البحرية شبه المنتهية.

 

وفي المواقف الاميركية التي واكبت صدور العقوبات، اشارة الى الاحتجاجات الشعبية منذ 17 تشرين الماضي، العابرة للطوائف في كل انحاء البلاد، والتي طالبت بإصلاح سياسي واقتصادي في لبنان. وكذلك في هذه المواقف الصادرة عن وزارة الخزانة الاميركية، اشارة الى انّ الانفجار الذي حصل في مرفأ بيروت ضاعف من الدعوات الملحّة والعاجلة الى تشكيل حكومة لبنانية شفافة وخالية من الفساد.

 

وكانت اوساط ديبلوماسية اميركية قد وجّهت انتقادات في وقت سابق، بأنّها لم تلمس وجود ارادة فعلية لمحاربة الفساد، بل استغلال للظروف لتصفية حسابات داخلية اكثر منه لترسيخ منطق واسس الاصلاح. وخلال الساعات الماضية ظهرت وجهة نظر مفادها، انّ العقوبات الاميركية تهدف الى محاصرة المبادرة الفرنسية.


 
 

في الواقع، تعمّد شينكر في كلامه عقب صدور قرار العقوبات التعليق مجدداً على المبادرة الفرنسية قائلاً: «نحن على الصفحة نفسها مع الفرنسيين». واضاف: «هذا ما سمعناه من مكتب الرئيس الفرنسي، من أنّ اولئك الذين يحاولون عرقلة الاصلاح، فإّن الحكومة الفرنسية تتطلع الى تصنيفهم وفرض عقوبات عليهم. ونحن نعتقد انّ هذه مقاربة مثمرة».

 

ووفق كل ما تقدّم، فإنّ الرسالة السياسية الاميركية من خلال العقوبات الاخيرة، تتركّز في شكل اساس على مجال آخر، وهو على الأرجح محاصرة «حزب الله» داخلياً. ذلك انّ النائب علي حسن خليل يلعب دور القناة الثانية في العلاقة التنسيقية بين بري و»حزب الله». كما انّ فنيانوس يلعب الدور نفسه مع الحليف المسيحي سليمان فرنجية. ومعه لا بدّ من الاستنتاج أنّ المطلوب الفعلي هو فك التنسيق الموجود بين «حزب الله» وحلفائه.

 

ولكن السؤال البديهي الذي يُطرح، هو انّه اذا كان الهدف السياسي لهذه العقوبات صحيحاً، فلماذا لم تشمل اسماً من «التيار الوطني الحر»، وهو الحليف المسيحي الابرز لـ»حزب الله»؟

 

احد المراقبين اجاب عن هذا السؤال من خلال نقطتين: الاولى، انّ العقوبات لم تتوقف، وهنالك لوائح اخرى واسماء جديدة. وهو ما اعلنه اكثر من مسؤول اميركي. والثانية، استعادة ما كان قد ادلى به مساعد الرئيس الاميركي ومدير مكافحة الارهاب في مجلس الامن القومي كاش باتيل منذ اسابيع معدودة، خلال ندوة عبر تقنية الفيديو، نظّمها «معهد واشنطن»، من أنّ فرض العقوبات ينبغي ان يأخذ في الاعتبار ما اذا كانت الشخصيات المستهدفة مستعدة للتعاون لتقويض سلطة «حزب الله» ونفوذه. واضاف باتيل: «هل تفرض عقوبات على شخص نعتقد انّه سيساعدنا على تفكيك «حزب الله»، ام نسعى الى العمل مع هذا الشخص عبر جهد ديبلوماسي، لنرى ما اذا كان سيساعد جهودنا في لبنان لتقويض شبكة «حزب الله؟».

 

وتابع المسؤول الاميركي قوله، إنّه تعامل شخصياً مع مسؤولين رفيعين في الحكومة اللبنانية في شأن هذه المسألة، لافتاً الى»انّ واشنطن فرضت عقوبات على بعض الافراد خلال ادارة ترامب، لكن هناك آخرين تدرس فرض عقوبات عليهم». وختم قائلاً: «اعتقد انكم ستسمعون انباء طيبة في المستقبل».

 

وفي المعلومات، انّ لائحة العقوبات على مسؤولين لبنانيين تطاول 92 اسماً، وهو عدد كبير نسبياً. ولا شك في أنّ كلام باتيل مهم وتضمّن شرحاً استباقياً للقرار الذي صدر لاحقاً.

 

في الواقع، تمعنت واشنطن كثيراً في خطوة اطلاق العميل عامر الفاخوري من السجون اللبنانية، وجرى اشباع خلفيات هذه الخطوة درساً وتمحيصاً. ومن ثم جرى التمعن اكثر في الاجواء والوعود التي نقلها ولا يزال وزير سابق محسوب على رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل الى السلطات الفرنسية، والتي تشاركتها مع العاصمة الاميركية. كما انّ الوزير السابق نفسه يتحرّك في اتجاه الاميركيين منذ أشهر عدة. لكن المفارقة انّ كوادر الحزب الديموقراطي الاميركي لم تكن مرحّبة بالخطوة، في اعتبار انّها جاءت في توقيت غير ملائم، وهي لن تعطي النتائج المرجوة، والى درجة يعتبرها هؤلاء انّها «متهورة وغير مدروسة». ولكن لا حاجة للتذكير بأنّ الحزب الديموقراطي يخوض معركة رئاسية صعبة وطاحنة وقاسية مع الحزب الجمهوري، وانّ الحملات السياسية والانتخابية بين الطرفين هي على اشدّها.