تفسيرات وتأويلات عدة رافقت قرار نادي رؤساء الحكومات السابقين بمنح الغطاء السياسي والسنّي للرئيس المكلّف مصطفى أديب. فماذا يقول أحد أعضاء النادي، الرئيس فؤاد السنيورة، عن الدوافع الحقيقية الكامنة وراء هذا القرار، وعمّا سبقه وسيليه؟ يعتبر السنيورة، انّ هناك جرثومة تفتك بالدستور والجسم اللبنانيين، «وهي انّ كل فريق يعتبر انّ لديه مزرعة او مستعمرة، يحرص على الاحتفاظ بها والتنعم بخيراتها، على حساب مصلحة الدولة».

 

ويتساءل: «ماذا يجب أن يحصل اكثر من كارثة انفجار المرفأ، حتى يتعلّم اللبنانيون الدرس، ويدركوا انّه لم يعد جائزاً الاستمرار في السلوك السابق الذي أوصلنا الى المأزق الحالي»؟

   

ولمزيد من الايضاح والتفسير، يسرد السنيورة رواية مفادها، «انّ شخصاً ارتكب جريمة قتل، فلما اصدرت المحكمة حكماً بإعدامه، علّق قائلاً: الله ينجينا من الاعظم. ثم عندما صادقت السلطة الدينية على قرار الإعدام، قال أيضاً: الله ينجينا من الاعظم. وعندما حُدّد موعد اعدامه، كرّر القول: الله ينجينا من الاعظم. وحين وضعوا الحبل على عنقه، هتف مجدداً: الله ينجينا من الاعظم، فسأله الحاضرون وسط دهشة عارمة: وهل هناك أسوأ من اعدامك شنقاً؟ وما هي إلّا لحظات حتى تلقّى المشرفون على تنفيذ الحكم الأمر الآتي: لا تشنقوه، بل خوزقوه!».

 

ويضيف السنيورة: «آمل في أن يستخرج المعنيون العبرة من هذه القصة، وان يكفّوا عن تدفيع اللبنانيين المزيد من الأثمان الباهظة».

 

ويلفت السنيورة الى انّه يتفهم الأسباب التي دفعت الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى التكلّم بلهجة قاسية خلال زيارته الى لبنان، «الّا انّ ذلك لا يمنع انني شعرت بالانزعاج والمرارة، لأنّ رئيساً اجنبياً، حتى لو كان صديقاً، يخاطبنا على هذا النحو، بفعل إخفاقاتنا المتكرّرة وامتناعنا منذ عقود عن تنفيذ الإصلاحات»، مشيراً الى انّ «ما سمعناه نتيجة قصورنا وتقصيرنا هو إذلال لنا».

 

ويدعو السنيورة الى تشكيل حكومة مصغّرة من اختصاصيين، على قاعدة المداورة في توزيع الحقائب ومن ضمنها» المالية»، لافتاً الى وجوب ان لا تكون هناك وزارة حكراً على طائفة او ممنوعة على طائفة، «وكل شيء غير ذلك هو هراء من خارج الدستور والقانون»، ومنبّها الى انّ تجاهل المداورة سيعني سقوط أحد البنود الإصلاحية.

 

ولا يوافق السنيورة على أنّ تسمية رؤساء الحكومات السابقين الدكتور مصطفى أديب شكّلت خرقاً لاتفاق الطائف واختزالاً للاستشارات النيابية الملزمة، لافتاً الى انّ ما جرى هو «اننا اقترحنا اسماً، تجاوب معه الآخرون، واقتراحنا لم يكن الزامياً»، محذّراً من انّ تسمية اديب هي فرصة اخيرة، «وما لم يلتقطها العهد، يكون قد فوّت الفرصة عليه وعلى لبنان».

   

ويكشف السنيورة، انّ اسم أديب لم يطرحه ماكرون ولا نجيب وطه ميقاتي، بل سعد الحريري تحديداً، موضحاً انّ «الرئيس الفرنسي تمنّى وضع لائحة بثلاثة اسماء، فكانت لائحة ضمّت في حقيقة الأمر كلا من نجيب ميقاتي ومحمد الحوت ومصطفى أديب».

 

وعندما سُئل السنيورة عن سبب عدم طرح رؤساء الحكومات السابقين اسم نواف سلام، أجاب: «انا كنت اول من رشّح سلام في السابق، انما لم يحصل توافق حوله نتيجة اعتراض البعض عليه، ولذلك كان علينا أن نتصرف بمسؤولية وحكمة، حتى ننقذ البلد ونوجد مخرجاً من النفق، وهذا ما دفعنا الى تسمية الدكتور أديب».

 

ويرى السنيورة، انّ «الموافقة على ان تتولّى شخصية نظيفة ونزيهة وخلوقة، ولكن تفتقر الى الخبرة السياسية، منصباً بحجم رئاسة الحكومة، انما هي تضحية كبيرة قدّمناها لقاء ان تتمّ العودة إلى الطائف والدستور».

 

ورداً على منتقدي الخيار الذي اعتمده رؤساء الحكومات السابقون، يشير السنيورة، الى انّ لبنان يمرّ في أصعب مرحلة في تاريخه، «وبعد شهرين قد يُرفع الدعم عن المحروقات والطحين والدواء، مع ما سيرتبه ذلك من تداعيات اجتماعية كارثية، وبالتالي ينبغي أن نتصرف كرجال دولة في مواجهة هذا الخطر، وانا مستعد للذهاب إلى سيبيريا اذا كان يوجد أمل بالعثور على وصفة للخلاص هناك، ولو بنسبة 1 في المئة، اما البعض فيستسهل التنظير علينا لانّه ليس في موقعنا المسؤول، ولا يقارب الموقف من زاويتنا».

 

ويشدّد على ضرورة ان يتحمّل اللبنانيون مسؤولياتهم في ورشة الانقاذ، متسائلاً: «هل يحتاج توقيع التشكيلات القضائية الى ترامب وبوتين، وهل المطلوب تدخّل مجلس الأمن لمعالجة ملف الكهرباء»؟

 

ويتوقف السنيورة عند دلالات المبادرة الفرنسية، لافتاً الى انّ الدول ليست كاريتاس، «وباريس تملك مصالح استراتيجية في المنطقة، وهي تحاول إيجاد موطئ قدم لها في لبنان والعراق في مقابل تركيا، من دون أن ينفي ذلك أنّ لديها كذلك عطفاً على لبنان، خصوصاً بعد انفجار المرفأ».

 

ويؤكّد السنيورة انّ مبادرة ماكرون هي أقرب إلى مغامرة تفتح نافذة صغيرة في الجدار، «ويتوقف علينا نحن توسيع هذه النافذة او اقفالها، ربطاً بالطريقة التي سنتصرف بها».

 

ويشير الى انّ «واشنطن تراقب مبادرة ماكرون. فإذا نجحت تعتمدها واذا اخفقت تتنصل منها، اما السعودية فهي في موقع الانتظار».

 

وبعيداً من مهمة ماكرون، يعرّج السنيورة الى زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» اسماعيل هنية، منتقداً «العراضة العسكرية التي رافقت جولته على مخيم عين الحلوة، في استعادة غير مقبولة لأجواء عام 1982». ويتابع: «نرحّب بهنية في لبنان اذا كان الهدف عقد مؤتمر يجمع الفصائل من أجل فلسطين، اما الاستعراض العسكري الذي حصل فمرفوض، وهو ينطوي على تحد للدولة اللبنانية».

 

ويتطرق الى ملف انفجار مرفأ بيروت، لافتاً الى وجود عنابر لا تخضع للسلطة الرسمية وتحوي مواد يمكن أن تُصنع منها متفجرات، ومتسائلاً: «عن سرّ بقاء كميات ضخمة من الامونيوم في مكانها لسنوات عدة، على الرغم من كلفتها المالية العالية، ولماذا لم يستردها صاحبها المفترض، الا اذا كان هناك من أراد أن تبقى حيث هي».

 

وعلى صعيد آخر، يلفت السنيورة الى انّ إجراء التدقيق المالي في حسابات كل المؤسسات الرسمية كان يجب أن يتمّ قبل سنوات، «على قاعدة إجبرها قبل أن تنكسر، ووفق آليات معتمدة في الدولة».

 

ويمرّ السنيورة على تفاهم مار مخايل بين «حزب الله» و»التيار الوطني الحر»، مشيراً الى انّ لبنان «دفع ثمن هذا التفاهم، الذي ارتكز على معادلة ايصال ميشال عون الى رئاسة الجمهورية في مقابل منح الغطاء المسيحي للسلاح».

 

وحين يُسأل السنيورة عن تعليقه على الاشتباك المسلح في الطريق الجديدة، يكتفي بالقول: «انا لا ادخل في الازقة والزواريب».