إنّ الرهانات المعقودة على عقد التحقيق الجنائي في مصرف لبنان لإعطاء نتائج عملية واضحة يمكن البناء عليها، قد تُخيب، بسبب معوقات ترتبط بالقوانين والصلاحيات التي لا يمكن تجاوزها.
وقّع وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني عقد التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان مع شركة Alvarez&Marsal، بعد ان استغرق قرار اللجوء الى هذا النوع من التدقيق وقتاً طويلاً للبتّ به، مع ما تخلله من تعديلات لشروط العقد والاستغناء عن شركة «كرول» الاكثر خبرة في هذا المجال، وصولاً الى تسريبات عن قيام وزير المالية بتعديلات جوهرية على العقد، بالاضافة الى طلب رئيس الجمهورية شخصيّاً أن يلحظ هذا العقد بنوداً معيّنة.

 

تظنّ شريحة كبرى انه مع توقيع عقد التدقيق الجنائي وصدور تقرير الشركة النهائي، ستنجلي الحقيقة وينكشف المستور وتُفضح الجرائم المالية وتُحَدد المسؤوليات. وفي حين يبقى نصّ العقد غير منشور للعلن، يؤكد أحد المطّلعين عليه انه ينصّ على إعداد تقرير تدقيق جنائي أولي في غضون 10 الى 15 أسبوعاً، وهو مجرد تقرير لتحديد المجالات التي تتطلب مزيداً من التحقيق والتعمّق في حال طلبت الحكومة ذلك، علماً انّ العقد الحالي لا يلحظ أي إطار عمل تم التوافق عليه مسبقاً للانتقال إلى مرحلة «الغوص العميق»، بل يشير إليه باختصار شديد، مما يشكل عائقاً أساسياً أمام العمل الأكثر تفصيلاً في المرحلة الثانية.


 
 

في هذا الاطار، شرح الخبير المالي مايك عازار لـ«الجمهورية» انّ شركة Alvarez&Marsal ستحتاج إلى الغوص بعمق في المعاملات المصرفية والعقود والبيانات، للكشف عن أي جرائم مالية محتملة، «وفي حال لم تستطع القيام بذلك بسبب الحواجز القانونية او عدم تعاون الجهات المعنية معها، فإنّ تقريرها لن يكشف الكثير وسيكون مجرّد رسوم بيانية ومقارنة بين ميزانيات مصرف لبنان وحساباته واحتياطه في السنوات الخمس الماضية.

 

وفي حين اكد انّ بعض الانتقادات التي يتم التداول بها حول عقد التدقيق الجنائي هي في غير محلها، شدّد عازار في الوقت نفسه على وجود ثغرات ونقاط ضعف عدّة في العقد، «غالبيتها وليس جميعها مرتبطة بقانون النقد والتسليف والسرية المصرفية بالاضافة الى مصداقية مؤسسات الدولة، مما قد يمنع شركة Alvarez&Marsal من الوصول الى كافة المعلومات من دون إذن مسبق من الجهات المعنيّة قضائياً وإدارياً».

 

وأوضح انّ نطاق العمل المنصوص عليه ضمن العقد جيّد واحترافي كونه لا يقتصر فقط على التدقيق في حسابات مصرف لبنان في السنوات الخمس السابقة، بل يتضمّن تدقيقاً في نسبة الامتثال الى المعايير المصرفية والضوابط الداخلية في مصرف لبنان، يصدر على أثره توصيات حول كيفية تحسينها بالاضافة الى جمع معلومات مفصّلة... لكنّه اكد انّ العقد لا يشمل حق التعمّق والغوص في حسابات الادارات والمؤسسات الحكومية، وهي النقطة الاساسية في حال كان الهدف الحقيقي محاربة الفساد.

 

وبغضّ النظر عن ذلك، اعتبر عازار انّ «الجهة الموقّعة على العقد مع Alvarez&Marsal، والتي استقدمتها من اجل اجراء التدقيق الجنائي، هي وزارة المالية. وبالتالي، يجب ان تُظهر الاخيرة جدّية ومصداقية ومساهمة فعّالة لتسهيل عمل شركة التدقيق وتمكينها من إتمام عملها بشكل شامل، لأنه لا يمكن تضمين أي عقد الزامية توفر المصداقية والشفافية لدى كافة المؤسسات الحكومية».

 

وعن الانتقادات حول قدرة الحكومة على الكشف عن أو استخدام أعمال تقرير Alvarez&Marsal ضمن اي إجراءات قانونية، اوضح انّ الإفصاح أو الاستخدام للمعلومات يخضع لشروط على غرار كافة العقود الاخرى، لافتاً الى أنّ المادة 151 من قانون النقد والتسليف (وقانون السرية المصرفية) ستمنع على الارجح Alvarez&Marsal من تَلقّي جميع المعلومات التي تحتاجها من مصرف لبنان، كما وستصعّب عملية الاستفسار عنها من موظفي مصرف لبنان، وهو أمر حيوي لإتمام الشركة عملية التدقيق بشكل شامل.


 
 

ولفت عازار الى انّ أبرز العوائق هي انّ شركة A&M مُجبرة على ارسال طلب خطي حول المعلومات التي تحتاجها إلى مصرف لبنان، الذي يقرر التعاون او عدمه في هذا الاطار. كما انه يستطيع ان يكشف حصراً عن المعلومات التي يراها مناسبة ويحجب معلومات اخرى، «كونه ليس طرفاً في العقد، وهو كيان مستقلّ، ولا شيء يجبره على التعاون سوى انّ وزارة المالية التزمت بالتعاون وبذل قصارى جهدها بموجب القانون لضمان تعاون مصرف لبنان».

 

وفيما شدد عازار على ان شركة A&M ستعتمد في النتيجة على البيانات التي يوفرها لها مصرف لبنان للقيام بعملها، قال: بما ان البنك المركزي هو المؤسسة التي تخضع للتدقيق الجنائي، من المفترض ان يتمتع أي مدقق حسابي بحق استخدام وجمع البيانات بنفسه، وحق الولوج شخصيا الى اجهزة الحاسوب وداتا المعلومات المتوفرة لدى مصرف لبنان، إلا ان القانون يحظر ذلك».

 

وحذر من عدم تعاون وزارة المالية أو مصرف لبنان بشكل فعال لتسهيل عملية التدقيق كما حصل مع شركة «كرول» في الموزمبيق، مشددا على انه في حال كان الطرف المشرف على العمل لا يتمتع بالثقة، المصداقية، الاستقلالية، والقوة، فلا يمكن لاي عقد مهما كانت صيغته، ان يجبر الاشخاص والمؤسسات على التعاون في القضايا التي يتم التحقيق بها، «وهي مشكلة أساسية لا يمكن تجاوزها سوى عبر تعديل القوانين».

 

كما دعا عازار الحكومة للالتزام بنشر النتائج الكاملة لعملية التدقيق، وطالب A&M الاعلان عن أي عوائق تواجه عملها في حال امتنع مصرف لبنان عن توفير المعلومات والبيانات المطلوبة من قبلها.

 

اما بالنسبة لكلفة العقد الموقع مع Alvarez&Marsal، أكد انها لا تختلف كثيراً عمذا تم التفاوض عليه سابقاً مع شركة Kroll، نافياً انه تكون الكلفة 4 أضعاف كلفة «كرول».

 

وحول مجموعة «إيغمونت»، أكد عازار انه لم يرد أي شيء يتعلّق بها في العقد، مشيراً الى انه لا يوجد سبب لذكرها كونها ليست طرفاً في هذا العقد، «كما انه لا يوجد أي مانع ضمن العقد من الاستعانة بمجموعة «إيغمونت» في حال ارادت الحكومة ذلك، وهو البند الذي كان وارداً في نصّ العقد مع «كرول».