سادت لدى بعض الدوائر الغربية وجهة نظر تقول إنّ الرهان على القوى السياسية للتخلُّص من «حزب الله» أثبت عدم جدواه، وانّ البديل يكمن في تركيز الجهود على المجتمع المدني وتحديث النظام السياسي وتطويره. تعاملت الدوائر الغربية باهتمام شديد مع انتفاضة 17 تشرين التي وجدت فيها استفاقة ولو متأخرة للرأي العام الذي نجح في تقديم مشهدية استثنائية في كل المناطق اللبنانية التي توحّدت تحت راية الثورة بأدبيات مشتركة وأهداف موحدة، مُتجاوزة الاعتبارات المذهبية والطائفية والمناطقية والطبقية، فرأت هذه الدوائر في الانتفاضة مدخلاً للتغيير المنشود الكفيل بلجم «حزب الله» تمهيداً لنزع سلاحه.

 

وقد أصابت دوائر القرار برؤيتها للانتفاضة وتقييمها لها من زاوية كونها حدثاً غير مسبوق في تاريخ لبنان باعتبار انّ انتفاضة الاستقلال في العام 2005 أدّت إلى فرز اللبنانيين بين 8 و 14 آذار، فيما انتفاضة 17 تشرين أدت إلى توحيدهم ولو تحت الراية الاجتماعية، ولكن الفارق الذي يصبّ في مصلحة انتفاضة 14 آذار انها تمكّنت من تحقيق هدف كبير وهو إخراج الجيش السوري من لبنان، ومن خلال تفويضها للقوى السياسية التي مثلّت الانتفاضة نجحت أيضاً في انتزاع المحكمة ورزمة من القرارات الدولية وربط نزاع حقيقي مع الفريق الآخر، فيما شعار «كلن يعني كلن» الذي اعتمدته انتفاضة 17 تشرين لم يمكِّنها من تحقيق خطوة نوعية من قبيل فرض انتخابات نيابية مبكرة، ما يعني انّ وحدها غير قادرة على تحقيق التغيير المنشود، كما انها لا تستطيع اختصار كل المشهد السياسي الذي لا يمكن لأي طرف أو مجموعة سياسية أيضاً اختصاره.

   

وعلى رغم انّ الانتخابات المبكرة تشكل أولوية الأولويات كمدخل لتغيير الأكثرية الحاكمة وهي كانتخابات العام 2005 التي من دونها لم تتشكّل أكثرية جديدة قادت عملية التغيير وأمسكت ببعض مفاصل السلطة، فإنّ المستغرب انّ باريس ومعها واشنطن لا تضعان الانتخابات المبكرة كأولوية، وهذا البند كان يفترض ان يتصدّر بنود التسوية الحكومية الجديدة، الأمر الذي لم يحصل، كما انّ الضغط الشعبي لفرض هذه الانتخابات غير كافٍ، فيما كان يفترض رفض رعاية اي حلّ من دون التعهُّد بتقليص ولاية مجلس النواب إلى ربيع 2021، فتكون الحكومة الجديدة انتقالية بوظيفتين: الإنقاذ المالي والتهيئة للانتخابات، فتستفيد الناس من المومنتم الرافض لقوى السلطة من أجل قلب النتائج.

 

والموقف الدولي غير مفهوم على هذا المستوى لـ3 أسباب أساسية: لأنّ الانهيار لم يحصل إلا بسبب إدارة هذه الأكثرية، ولأنّ تغيير النهج والأسلوب والممارسة لن يتحقق إلا بإدارة جديدة وذهنية جديدة، ولأنّ ضابط الإيقاع الثابت والدائم والناظِم هو المؤسسات وليس هذه الدولة او تلك، فضلاً عن انّ انتزاع ورقة الانتخابات المبكرة كان مُتاحاً كون الفريق الحاكم مأزوم وظهره على الحائط و»بَدّو السِترة» لوقف الانهيار الذي يتحمّل مسؤوليته. وبالتالي، من غير المبرر ولا المفهوم الموقف الدولي على هذا المستوى الذي أنقذ الفريق الحاكم من دون مقابل بوقوفه بشكل عملي مع السلطة الخائفة من الانتخابات، فيما تأييده للرأي العام المنتفض لم يخرج عن حدود التأييد اللفظي، باعتباره فوّت على اللبنانيين فرصة الانتخابات المبكرة التي ترفع يد السلطة الحاكمة عن المؤسسات، وتشكل بداية التغيير والإصلاح.

 

وفي لقاءاته مع بعض الشخصيات المستقلة في المجتمع المدني، لم يكتم ديفيد شينكر تقييمه السلبي لحركة الشارع بين انفجار 4 آب، وهو بمثابة الزلزال الذي كان يفترض ان يُبقي الناس في الشارع ويعيد إحياء الثورة وتجديدها، وفق قوله، وبين 1 أيلول ذكرى مئوية لبنان الكبير الذي كان يفترض ان يحرِّك الناس أيضاً، ودائماً بحسب شينكر، فيما التظاهرات لم تكن بمستوى الحدثين ولا الانتظارات الأميركية، وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدلّ على انّ الرهان الدولي والأميركي تحديداً على المجتمع المدني حصراً من أجل التغيير هو في غير محله، لأنّ هذا التغيير لا يمكن ان يتحقق عن طريق المجتمع المدني من دون التحالف مع الأحزاب الوازنة، وبالتالي شعار «كلن يعني كلن» لا أفق سياسياً له إذا ما أعاد تقييم تجربته وأهدافه.

   

وقد لمسَ بعض المشاركين في اللقاءات التي عقدها شينكر انه في ملفّين رئيسيين بَدا متأثراً بأفكار بعض اليسار في الثورة: الملف الأول يتعلّق بقانون الانتخاب وضرورة تغييره باتجاه الدائرة الواحدة، علماً انّ هذا الاتجاه لا توافق حوله بين جمعيات المجتمع المدني، وقد قيل لشينكر انّ مجرد فتح باب النقاش في قانون الانتخاب يعني تطيير الانتخابات لا المبكرة فقط بل حتى في موعدها المفترض كون الأكثرية الحاكمة المأزومة شعبياً تريد التهرُّب من الانتخابات، وانّ القانون الحالي علمي ومتوازن ويمنح كل من لديه حيثية بالوصول إلى الندوة البرلمانية، وانّ لبنان دائرة واحدة ليس خطوة إصلاحية ولا تغييرية ولا تطويرية، بل رجعية وكارثية وتمهِّد لديكتاتورية الأكثرية.

 

والملف الثاني يتعلق بالنظام الطائفي الذي تم تصويره وكأنه سبب المشكلة في لبنان، فيما هذا النظام لم يكن يوماً المولِّد للأزمات التي سببها غياب الانتماء والولاء، وتَبدية خيارات الخارج على الداخل، والانخراط في مشاريع أكبر من البلد والسعي إلى تذويبه في هذه المشاريع. وبالتالي، إنّ الأزمات اللبنانية المتناسلة لا علاقة لها بالنظام السياسي الذي لو تمّ استنساخ أفضل نظام في العالم وإسقاطه على الواقع اللبناني فإنه لن ينهي هذه الأزمات التي يستحيل انتهائها قبل وصول جميع المكونات اللبنانية إلى رؤية مشتركة للبنان دوراً ووطناً نهائياً.

 

وهذا لا يعني انه لا يجب تطوير النظام وتحديثه، ولكن المشكلة الأساسية ليست مُتأتية من هذا النظام، وأيّ تطوير في ظل وجود فئة من اللبنانيين لديها دولتها في قلب الدولة اللبنانية، ومشروعها الذي يتناقض مع الأولوية اللبنانية ويصطدم بالفئات الأخرى ويتناقض معها، يعني انّ التطوير سيخدم هذه الفئة على حساب المشروع اللبناني الجامع، ما يعني انّ دوائر القرار الغربية تفتقد للتشخيص الدقيق للحلّ في لبنان الذي يبدأ من الخارج لا الداخل، او في تقاطع الخارج مع الداخل، فمشروع «حزب الله» لم يتوسّع إلّا بفِعل التخلي الدولي عن لبنان، والفئة التي واجهت هذا المشروع من خلال المطالبة بتطبيق الدستور تمّ اعتقالها ومواجهتها وملاحقتها، وهذا الأسلوب انسحب على الفئات الأخرى عندما قررت المواجهة نفسها، وبالتالي المدخل لأي حلّ لا يكون في جر البلد إلى الحرب التي لا تبدِّل شيئاً في الواقع السياسي، إنما عن طريق الوصول إلى تسوية مع طهران تؤدي إلى تخلّيها عن الدور الأمني والعسكري في المنطقة.

 

وتذكِّر النظرة الغربية بالنظرة نفسها في مطلع الحرب اللبنانية عندما كانت متعاطفة مع الثورة الفلسطينية على حساب أبناء البلد ودفاعهم عن سيادة الدولة واستقلالها، ولولا التخلي الدولي عن لبنان آنذاك تحت عناوين تتشابَه مع العناوين الحالية لما انهارت الدولة وتفككت، كما انّ تحميل القوى السياسية السيادية مسؤولية عدم المواجهة واللجوء إلى خيارات أخرى تفتقد إلى التنظيم والمشروع والحيثية ليس في محله، والمعالجة الفعلية تبدأ بالقرار الدولي الحازم بان يستعيد لبنان مقوماته الدولية، ولا يستطيع المجتمع الدولي ان يرفع عن نفسه مسؤولية ما أصاب لبنان وتحميلها للقوى المحلية، كما عليه ان يعيد تصويب نظرته للواقع اللبناني وحقيقة الأزمة الكامنة داخله.

 

وان يكون المدخل للحلّ اللبناني خارجياً لا يعني انّ القوى المحلية عليها ان تكون في موقع المتفرِّج والمراقب، فعلى كل فريق ان يقوم بدوره بالمقدار المطلوب، والتسوية الأخيرة أقوى دليل بأنّ القوى المحلية على حق، فيما كان هذا المجتمع مطالب بالتصلُّب وربط تدخله الإنقاذي بخريطة طريق تقود إلى إنقاذ وطني لا مالي فقط، وإلّا ترك لبنان لمصيره، وفي مطلق الأحوال يفترض بقوى الداخل على اختلافها وعواصم القرار التعاون بما يخدم القضية اللبنانية.