إلى متى سيبقى المواطن اللبناني رهينة بأيدي هذه الطبقة السياسية من جهة وأيضا بأيدي بعض الدول الأخرى من الخارج من جهة ثانية، وإلى أين يتجه هذا البلد مستقبلاً في مثل هكذا أوضاع صعبة للغاية تعصف به من كل حدب وصوب، وهل ما ذكره وزير خارجية فرنسا لودريان مؤخرا عن إمكانية زوال الدولة في لبنان في حال استمرار الفساد سيشكل جرس إنذار وناقوس خطر لجميع المعنيين بالشأن اللبناني على مختلف المستويات .
 

كيف يستطيع بلد كلبنان مع كل ازماته الاقتصادية والمالية ان يواجه كل هذه العواصف والأزمات التي يتعرّض لها حالياً، يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة، وبالتالي كيف يمكن له الخروج منها بأقل خسائر ممكنة بشرياً ومادياً ومعنوياً في ظل الانقسامات العميقة بين اللبنانيين على مختلف اتجاهاتهم السياسية والحزبية والمناطقية وغيرها .

 

 

لبنان الذي أصبحت أبوابه مشرّعة للقريب والبعيد للتلاعب بمصيره وبمستقبله بات مهدداً بكل ما للكلمة من معنى بكيانه ووجوده اقتصادياً وسياسياً وامنياً، فهذا البلد الذي طالما تغنى بالرقي والحضارة والاشعاع والنور، أي لبنان في مطلع السبعينات وما شهده من ازدهار اقتصادي وسياحي ونمو متصاعد هو اليوم في العناية الفائقة ينتظر من يمد إليه يد الدعم والمساعدة لإنقاذه وإعطائه جرعة أمل للنهوض من هذه الكبوة الخطيرة التي يتخبّط بها، ومن العواصف التي تجعله يتأرجح شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً دون ان تلوح في الأفق حتى الآن بارقة أمل لإخراجه مما هو عليه، وما حدث مؤخراً من محاولات لإثارة الفتنة البغيضة بين اللبنانيين في مناطق متعددة آخرها ما شهدته منطقة خلده، كاد ان يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه لولا تدارك العقلاء للأمر ووضع حدّ لما حصل تفادياً للأسوأ ولوقوع كارثة أكبر . 

 

 

أما وقد آلت الأوضاع في هذا البلد إلى ما آلت إليه ولم يعد في اليد حيلة كما يقول المثل الشائع، فإن الأنظار مشدودة راهناً لعدد من الدول الصديقة والشقيقة وللمؤسسات الدولية بانتظار ما ستقدمه من عون ودعم للبنان في هذه المحنة الأليمة التي يواجهها لبنان .

 

 

وإذا كانت الاستشارات الملزمة التي تمت الدعوة إليها اليوم الاثنين بعد طول انتظار ومخاض عسير توحي بأن هناك بعض الخيوط التي من شأنها ان ترسم معالم المرحلة المقبلة في لبنان تكليفاً وتأليفاً للحكومة العتيدة فإن الأمل والرهان يبقى على صحوة ما من قبل رجال السياسة والأحزاب في لبنان عشية الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى لبنان لحلحلة العقد وتذليل الصعوبات وإنجاح الخطوات المتعلقة بهذا الأمر بالتزامن مع وضع آلية للاصلاحات المطالب بها لبنان إقليمياً ودولياً كشرط أساسي لمساعدته ودعمه وإخراجه من هذا النفق المظلم الذي دخل فيه، وبات من المستحيل الخروج منه الا بتوافق لبناني لبناني وبدعم إقليمي ودولي أيضاً . 

 

وتبذل باريس قصارى جهدها لدفع السلطة والطبقة السياسية نحو إنجاز الاستحقاق الحكومي بسرعة على قاعدة التزام الإصلاحات المطلوبة داخليا ودوليا، في وقت تتسارع فيه إشارات الانهيار الداخلي على مختلف المستويات الاقتصادية والأمنية والصحية في سباق حاد بين مساعي منع الانفجار وتصاعد التعفن الداخلي ومخاطر الانغماس بصراع إقليمي. لكن على الطرف الآخر، في واشنطن لا يزال التعامل مع إيران هو الأساس في حل العقد المتبقية في الساحة الإقليمية، وهذا يعني الذهاب نحو التشدد في ملفات لبنان الداخلية وأسلوب التعامل مع القوى السياسية فيه.فعل الإيمان من رئيس قوة منتدبة سابقا لا يكفي دون التزام مدوّ باستعادة لبنان سيادته ورفض جعله ساحة حروب للآخرين ومكانا لتصفية الحسابات . 

 

كل هذه التطورات والمعطيات المتسارعة تحيلنا للوقوف امام الترهل السياسي والامني والركود الاقتصادي في البلد الذي يطغى على تشكيل الحكومة الجديدة إما بسبب عدم مبالاة الطبقة السياسية في لبنان التي اكل الدهر عليها وشرب وهم باتوا يعلمون جيداً ان النّاس سئموا منهم ومن تصرفاتهم وخلافاتهم وتشنجهم السياسي الدائم حتى الآن، وهم لا يزالون يتناتشون موقعاً من هنا أو مركزاً من هناك، أو وزارة ما دون رادع أو وازع أو ضمير وكأنه لم يحصل في لبنان كل هذا الانهيار، وهم أشبه بمن يعيش على كوكب آخر . وبمعزل عن تشكيل الحكومة الأزمة طويلة وتصاعدية ، إلا إذا قدّم الحزب عرضاً لمشاركته في الحكومة مقابل تفاوضه وتنازله عن أمور خلافية استراتيجية. لذا، سيستمر الضياع في لبنان حول هوية رئيس الحكومة المكلف، والذي يفترض التوافق عليه قبل الاستشارات النيابية.

 

وما الفتنة البغيضة التي حاول البعض اثارتها ولا يزال البعض الآخر يحاول اخراجها من حجرها في هذا البلد الا دافعاً قوياً للمخلصين والعقلاء والحكماء من أبناء لبنان للقضاء عليها في مهدها ووضع حدّ لمسببيها والمشاركين فيها لأي جهة كانوا ومهما علا شأنه .

 

هنا يبرز السؤال الجوهري إلى متى سيبقى المواطن اللبناني رهينة بأيدي هذه الطبقة السياسية من جهة وأيضا بأيدي بعض الدول الأخرى من الخارج من جهة ثانية، وإلى أين يتجه هذا البلد مستقبلاً في مثل هكذا أوضاع صعبة للغاية تعصف به من كل حدب وصوب، وهل ما ذكره وزير خارجية فرنسا لودريان مؤخرا عن إمكانية زوال الدولة في لبنان في حال استمرار الفساد سيشكل جرس إنذار وناقوس خطر لجميع المعنيين بالشأن اللبناني على مختلف المستويات . 

 

فعلى أبواب شهرين من الاستحقاق الأميركي، يُنتظر أن تشتدّ المواجهة بين واشنطن وطهران، ولا سيما بعدما بدا واضحاً أن كلا الطرفين ماضٍ في لعبة عضّ الأصابع حتى النهاية، وليس تالياً متوقعاً أن يُقدم أي من الطرفين على حرق أي من الأوراق التي بيده، أو التخلي عن مكامن قوته على الساحات المتواجد فيهاوفي مقدمها لبنان، بما يُشكّله من موقع حسّاس في استراتيجية المواجهة الإيرانية الأميركية، والذي بدأت المخاوف الفعلية تقوى باتجاه أن يتحوَّل إلى مسرح الضغط الكبير حمى الله لبنان واللبنانيين .