فالحزب الذي وقف عاجزا فاقد الحجة امام طرح الحياد، لم يجد كما هو ديدنه أمام معارضيه الجديين أصحاب الدليل والمنطق، إلى اللجوء ألى لغة التخوين والعمالة، حتى وإن طالت سهام العماله هذه المرة رأس الكنيسة.
 

لطالما ادعى حزب الله وأمينه العام أنه يمتلك الحجج الدامغة والبراهين الساطعة التي يدافع من خلالها وبواسطتها عن مشروعه " المقاوم " وعن سلاحه وصواريخه التي تحمي لبنان بحسب مدعاه، وأن هذا السلاح وهذه الترسانة والقوة العسكرية إنما هي في خدمة الدفاع عن لبنان وليس لها أي بعد آخر بحسب ادعائه، بالرغم من تفاخره على العلن بأن هذا السلاح وهذه الصواريخ هي ايرانية المصدر وأنها والحزب بكل مؤسساته يتبع لأوامر الولي الفقيه مرشد الجمهورية الايرانية بشكل مباشر! .

 

 

فبالرغم من حجم التناقض الفاضح، بين الشعارات التضليلية التي يرفعها الحزب ( الدفاع عن لبنان – تحرير مزارع شبعا – محاربة الارهاب ... ) وبين السلوك العملي الذي لا يضع في أولوياته إلا مصلحة النظام الايراني  ( القتال الى جانب بشار – التدخل المباشر بالاقليم – المجاهرة بمعاداة الدول العربية .. )، إستمر الحزب بلعب دور المنفتح على أي طرح بديل عن دوره في "حماية لبنان" عارضا استعداده الدائم للتحاور والنقاش والتباحث بما قد يطرحه الآخرون 

 

فلم يغب الحزب عن طاولة الحوار التي كان يدعو إليها الرئيس بري وبعده الرئيس عون، للنقاش بما اصطلح عليه تسمية " الاستراتيجية الدفاعية " بل لعله كان يرى بانعقاد مثل هذه الطاولات، وما تتضمنه من طروحات ركيكة تناقش حصرا موضوع السلاح وحصره في يد المؤسسات الشرعية اللبنانية، فيرى فيها مساحة للتأكيد على صوابية نظريته وترسيخ لمعادلته الخنفشارية ( جيش – شعب – مقاومة )،وذلك لعدة أسباب، أهمها اللحظة الدولية وغياب التبني الخارجي لأي بديل حقيقي، ثانيا لم يرق أي طرح مقدّم الى مستوى المشروع المتكامل بجاونبه كافة سياسيا وامنيا واقتصاديا يحاكي الهوية اللبنانية التاريخية 

 

ومن هنا تحديدا تأتي أهمية المشروع المتكامل الذي قدمه البطريرك الراعي، والذي أطلق عليه اسم " الحياد الايجابي " وفصّله بثمانية صفحات معدودات تناول فيه حلولا متكاملة تبدأ بحماية لبنان من كل الاعتداءات المحتملة إن من العدو الاسرائيلي أو غيره، ولا تنتهي بحلول منطقية للازمة الاقتصادية الحادة التي يمر بها لبنان وتنذر كما اشارت الخارجية الفرنسية إلى اضمحلال الدولة اللبنانية ومعها نهاية لوطن إسمه لبنان 

 

إقرأ أيضا : حزب الله : الانتظار القاتل

 
 

ولمعرفة أهمية وجدّية طرح البطريرك، لست محتاجا إلى قراءة متمعنة لبنوده وما يتضمنه من نقاط علمية مستندة الى تجربة تاريخية مشرقة عايشها لبنان لسنوات طويلة قبل تخليه عن الحياد بعد اتفاق القاهرة المشؤوم، وإنما باستطاعة أي مراقب التأكد من أهمية وتكامل وتماسك وحجية طرح الحياد وإمكانية كتابة الحياة له وبلوغه مرحلة التطبيق، ليس عليه إلا تلمس ردة فعل حزب الله عليه.

 

 

فالحزب الذي وقف عاجزا فاقد الحجة أمام طرح الحياد، لم يجد كما هو ديدنه أمام معارضيه الجديين أصحاب الدليل والمنطق، الى اللجوء الى لغة التخوين والعمالة، حتى وإن طالت سهام "العماله " هذه المرة رأس الكنيسة وما لهذا من تداعيات كبرى ليس أقلها إحراج حليفه العوني رافع شعار " حماية المسيحيين" .

 

 

يبقى السؤال ها هنا، عن السبب الحقيقي الذي افقد حزب الله صوابه بسبب طرح "الحياد الايجابي"  الذي قدمه سيد بكركي، والجواب سهل يسير، فلو أن مشروع الحزب هو حقا يهدف إلى "حماية لبنان" ، والدفاع عن مصالحه ويأتي طرح "الحياد الايجابي"  ليؤدي هذه الوظيفة فيكون المتوقع حينئذ من الحزب الترحيب والتهليل والقبول، أو على الاقل مناقشة مندرجاته والتأكد من صوابيته،، أما لأن مشروع الحزب ودوره وأهدافه هو في مكان اخر ولا يمت بصلة الى هذه الشعارات، فإن من الطبيعي والمتوقع ان تكون ردة الفعل هي ما حصل من هجوم وتخوين، وعليه يمكننا أن ندرك بأن خطورة وأهمية مشروع "الحياد الايجابي"  لسيد بكركي، هو أنه يفضح ويعرّي مشروع واهداف سيد الضاحية .