من المؤكد بأن حزب الله لا يريد الحرب مع إسرائيل، وذلك انطلاقاً من ادراكه لكلفتها الباهظة على بيئته. تعرب الأوساط عن اعتقادها، أن إصرار حزب الله على ما يسمى حكومة وحدة وطنية، لا يشكل مخرجاً للأزمة، بقدر ما سيفاقم الأمور ويجعلها أكثر صعوبة .
 

لم يكن ناقصاً على اللبنانيين إلا ما نسب الى حاكم مصرف لبنان تبشيره بقرب وقف الدعم للمواد الأساسية، من المحروقات والقمح إلى الأدوية وبعض المعدات الطبية، بحيث يصل سعر ربطة الخبز إلى عشرة آلاف ليرة لبنانية، وعلبة البنادول إلى أكثر من عشرين ألف ليرة، وتنكة البنزين إلى حوالى خمسين ألف ليرة .

 

 

هذا الكلام الواضح . يرسم خطورة المسار الانحداري المستمر منذ بداية العهد الحالي ، وجاء الانفجار الزلزالي في مرفأ بيروت والدمار الرهيب الذي أصاب أحياء العاصمة، ليكمل سواد المشهد القاتم في البلد .

 

لا شك أن جذور الأزمة الاقتصادية ومتفرعاتها المالية والنقدية والمعيشية، تعود إلى سوء الإدارة السياسية، وإلى حالة الفساد التي وصلت مستويات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، وما رافقها من عناد فارغ في التمسك بسياسة الإنكار والمكابرة، والهروب إلى الأمام، عوض التصدي الواعي للأزمات المتراكمة .

 

 

وجاء قرار الرئيس سعد الحريري بعدم العودة إلى السراي، ليزيد الوضع السياسي تعقيداً، مع بدء العد العكسي لموعد زيارة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون إلى بيروت. 

 

هذه التطورات السلبية المتسارعة تفرض على رئيس الجمهورية الإسراع في تحديد موعد الاستشارات النيابية الملزمة، والولوج إلى التكليف قبل الأول من أيلول، تسهيلاً لإتمام الزيارة الرئاسية الفرنسية في موعدها، في حال حرص ماكرون على الاستمرار في مبادرته، التي تلقت ما يكفي من النيران الصديقة وأصبحت تُصارع من أجل البقاء .

ويبقى السؤال هل الإسراع بالتكليف سيُساعد على تسريع إنجاز التأليف؟ أم أن الولادة الحكومية ستنتظر نتائج الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني المقبل .وبانتظار ما ستحمله الأيام المقبلة من تطورات سيبقى المشهد قاتما. 

 

تتعدى الأزمة الراهنة التي يواجهها عهد الرئيس عون مسألة تشكيل حكومة بديلة للحكومة المستقيلة، حيث يؤشر الوضع السياسي الراهن إلى مقاطعة أحزاب وقوى سياسية أساسية للعهد، دفع ببعضها للمطالبة باستقالة الرئيس، بينما ذهب البعض الآخر إلى الاستقالة من المجلس النيابي، وذلك تعبيراً عن سخطهم وتشاؤمهم من الأداء السياسي وسوء القيادة التي مارسها العهد خلال أربع سنوات من حكمه .

لعب التيار الوطني الحر خلال السنوات الأربع دور الحزب الحاكم، وشكل تحالف الرئيس عون مع حزب الله، وتشابك المصالح السياسية بين الحزب والتيار معضلة سياسية معقدة، لم يستطع العهد تجاوزها داخلياً وعربياً ودولياً.

 

وتفاقمت نتائج هذا التحالف وانعكست على أداء الدولة العام، حيث باتت السلطة أسيرة لمشيئة ومصالح الحزب داخلياً واقليمياً، وقد نتج عن ذلك فرض حالة من المقاطعة والحصار من قبل الدول العربية والغربية علي لبنان. وهذا ما دفع البطريرك مار بشارة بطرس الراعي إلى دق ناقوس الخطر على الصيغة والكيان، من خلال مطالبة الرئيس عون بفك الحصار عن الشرعية والقرار الوطني، بالإضافة إلى اعتماد الحياد الناشط والمعترف به دولياً .

 

إقرأ أيضا : قرار المحكمة الدولية وانعكاسه على تشكيل الحكومة

 

يشكل التصعيد الحاصل في خطاب البطريرك الراعي في مواجهة العهد وتجاه سلاح حزب الله، حيث يدعو إلى دهم كل مخابئ السلاح والمتفجرات المنتشرة من غير وجه حق بين الاحياء السكنية، دعوة جديدة ملحة للرئيس عون للاتعاظ من كارثة مرفأ بيروت.

في الغالب لن تقتصر متاعب العهد وحزب الله على مواقف البطريرك الداعية لتحييد لبنان، أو التخلص من مخازن الحزب، بل سيواجه العهد قريباً الطائفة السنية وذلك على خلفية مخالفته للأصول والأعراف في اجراء الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس حكومة.

من هنا فإن الأزمة السياسية التي يواجهها العهد لم تعد أزمة حكومة يشكلها وفقا لمصالحه واهوائه ومصالح واهواء حزب الله بل هي أزمة حكم، حيث تُشير مختلف التطورات والمواقف إلى اشتداد أزمة المقاطعة والعزلة التي ترفعها القوى السياسية الأساسية داخلياً في وجه العهد، بالإضافة إلى استمرار حالة الحصار والمقاطعة المفروضة عليه عربياً ودولياً . 

 

السؤال المطروح الآن: كيف يمكن للرئيس عون وحليفه حزب الله مواجهة هذه القطيعة المتنامية ضدهما داخلياً وعربياً ودولياً . 

يبدو بأن حزب الله مقيد الحركة من خلال ارتباطاته بالمشروع الإيراني الإقليمي، وهو متمسك بالرئيس عون كحليف يؤمن له الغطاء الشرعي في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية. من هنا فإنه لا يبدو بأن الرئيس عون يريد المغامرة بالتخلي عن هذا الحليف القوي، والذي يملك إلى جانب القاعدة الشعبية المتماسكة السلاح الجاهز للاستعمال عندما تدعو الحاجة . 

 

في النهاية، يخشى ان يؤدي ارتفاع منسوب الانقسام الداخلي والضغط الخارجي إلى مواجهة مجموعة من الخيارات المستحيلة، باتجاه التهديد بالانزلاق نحو فتنة داخلية، أو بركوب المغامرة نحو حرب جديدة مدمرة مع اسرائيل .  من المؤكد بأن حزب الله لا يريد الحرب مع إسرائيل، وذلك انطلاقاً من ادراكه لكلفتها الباهظة على بيئته. تعرب  الأوساط عن اعتقادها، أن إصرار حزب الله على ما يسمى حكومة وحدة وطنية، لا يشكل مخرجاً للأزمة، بقدر ما سيفاقم الأمور ويجعلها أكثر صعوبة .

 

وبناءً على ما تقدم لا يبدو أن هناك مخرجاً قريباً لأزمة السلطة الحاكمة، التي تخسر أوراق قوتها ولم يعد بإمكانها الاستقواء بالخارج على الداخل، مما يأخذ الأزمة إلى مرحلة محتدمة سياسياً وأمنياً، تتصاعد فيها تناقضات داخل التركيبة الحاكمة وتدخلها في معركة تصفية حسابات، في الوقت الذي تتفاقم فيه أعباء الأزمة المعيشية، وتزداد المخاوف على الاستقرار وعودة مخاطر العامل الأمني مجدداً، مما يفتح أبواب لبنان إلى ما لا تحمد عقباه .