«ولا ينبيك عن خلق الليالي

كمَن فقد الأحبّة والصحابا

فمن يغتر بالدنيا فإنّي

لبست بها فأبليت الثيابا»

(أحمد شوقي)

من المنطقي بعد ضجة الأسبوع الماضي أن تضيع ردات الفعل على كلام حسن نصرالله الأخير في خصوص الاستعداد وكظم الغضب عند جمهوره استعداداً للحرب الأهلية التي قال انّ أحداً ما يعدّ العدة لها، لذلك كان من الواجب، وبغضّ النظر عن حكم المحكمة، أن نعيد قراءة هذا الكلام في هدوء.

 

لمَن يراجع بموضوعية تاريخ الحرب الأهلية، فقد شكّل استمرارها الطويل لـ15 عاماً فرصة كبرى لبروز قوى جديدة على المسرح السياسي اللبناني، صادفَ بروز قوى جديدة على الساحة الإقليمية.

   

أما عن الساحة المحلية، فقد كان مشروع «السلاح زينة الرجال»، الذي أطلقه الإمام موسى الصدر قبَيل الحرب الأهلية، مقدمة لظهور «أفواج المقاومة اللبنانية» والتي كانت متعاونة في شكل حميم مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومن بعدها لعبت الدور الأهم في الإجهاز على منظمة التحرير في حرب المخيمات الشهيرة بين حركة «أمل» وما تبقى من قوى فلسطينية مسلحة. يومها كان انتقال «زينة الرجال» من كتف ياسر عرفات الغائب في المنفى التونسي، إلى كتف حافظ الأسد الحاضر في كل حَي من أحياء بيروت من خلال السطوة التي بَنتها المخابرات والمؤامرات، ولا أستثني السياسيين اللبنانيين من مشاركتهم التافهة في التجارة السياسية التي جعلت منهم دمى في يد مرض السلطة الذي كان يديرهم من دمشق.

 

لكن الحدث الإقليمي الكبير، وهو الذي وضع آفاقاً جديدة للمعادلة الوطنية، كان انتصار الخميني في إيران عام 1979، ورغبته الواضحة في تعميم ثورته على أكبر بقعة من الأرض يمكنه السيطرة عليها من خلال فكرة ولاية الفقيه. لقد خلق الفراغ الذي أحدثه الإسرائيليون من جهة، والسوريون من جهة أخرى، مجالاً واسعاً لمشروع ولاية الفقيه ليصبح لاعباً جدياً في الساحة الفارغة منذ عام 1982، وقد شكّل ذهاب رئيس حركة «أمل» ورئيس «الحزب التقدمي الإشتراكي»، اللذان كانا قائدي الحركات المسلحة التي ورثت منظمة التحرير، إلى تسوية أمر واقع مع ما أنتجه الاجتياح الإسرائيلي، بتبوّء أمين الجميّل سدة الرئاسة خلفاً منطقياً لأخيه بشير الذي قتل بُعيد انتخابه.

 

بالطبع أنّ الشرح السابق قد يكون معروفاً بالنسبة الى من يقرأ الجريدة عادة، لكن المهم هو في معرفة واقع اليوم وكيفية تفسيره بتاريخيّاته. فقد تسبّب ذهاب نبيه بري إلى التسوية بخروج أفواج من «أمل» عن طاعته، وانخراطهم في مجموعة ناشئة أعلنت التزامها بمشروع ولاية الفقيه الأممي الإسلامي الإثني عشري، كأداة عقائدية لإدارة المواجهة، ليس فقط مع إسرائيل، بل مع القوى العظمى ومع المنظومة اللبنانية التاريخية المرتبطة بالميثاق الوطني اللبناني عام 1943، وهو الذي أغفل وتجاهل حصة الشيعة في كعكة المصالح في تقسيم السلطة. ومع أنّ «أمل الإسلامية» كان اسمها قد ظهر باكراً إلى العلن ليعبّر عن هذا التوجه، لكنّ الأخطر كان في المنظومة السرية التي بدأت تتشكّل بإسم منظمتي «الجهاد الإسلامي» و»المستضعفين في الأرض»، ونسبت إليهما مجموعة العمليات الكبرى المدمّرة ضد المارينز والفرنسيين، وضد الاحتلال الإسرائيلي لاحقاً وتفجير السفارات والاغتيالات. هذه المنظومة كان يديرها سفير إيران في دمشق في أيامها الذي صرّح «لبنان اليوم كتفاحة نضجت على الغصن، ما علينا إلا الانتظار حتى تقع في أحضاننا».

   

من بعدها، كما يعلم معظمنا، أصبح «حزب الله» علناً جزءاً من المنظومة الخمينية عام 1985، وقد صرّح ابراهيم أمين السيّد بما يلي: «نحن لبنان في إيران ونحن إيران في لبنان»، كما أنّ البيان التأسيسي للحزب يعرّف الحزب بـ»نحن أمّة «حزب الله» التي نصر الله طلائعها في إيران». ولِمن كان يظن أنّ القضية تغيرت مع تغيّر الزمن، فما عليه إلا العودة إلى خطاب مسجل للشاب حسن نصرالله يؤكد فيه أنّ «الجمهورية الإسلامية في لبنان لا تعني جمهورية مستقلة، بل هي جزء من الجمهورية الإسلامية»، وحتى لاحقاً فقد قال: «لم نتخلّ عن مشروع إقامة الحكم الإسلامي في لبنان...». لكن الأهم في كل ذلك هو أنّ مشروعاً كالذي يتحدث عنه نصرالله، أو السفير السابق العتيق في دمشق، لا يمكن أن يتحقق من دون حرب واسعة ومستمرة تبحث عن حل. وللتذكير فقط، فقد وقف «حزب الله» في مواجهة انتهاء الحرب الأهلية عام 1989 بعد «اتفاق الطائف»، معتبراً أنّ هذا الاتفاق كان تأكيداً «للسيطرة المارونية على الحكم في لبنان». والواقع هو أنّ انتهاء الحرب الأهلية يومها منع التفاحة من السقوط المبكر في حضن إيران. لكنّ الفرصة بقيت متاحة من خلال استمرار الحرب في الجنوب، واستمرار عرقلة المشاريع المرتبطة بتثبيت لبنان كدولة قائمة قابلة للحياة. ومن هنا، حسبما تؤكد الوقائع، فقد وقف «حزب الله» بالمرصاد لكثير من مشاريع رفيق الحريري، ولم يمنح أيّاً من حكوماته الثقة، لا بل انه ساهم في تأبيد التوتر ومنع أي تسوية مُجدية تؤدي إلى استقرار لبنان، هذا بالطبع كان بالتواطؤ مع حكم حافظ الأسد. وحتى بعد انسحاب إسرائيل عام 2000 من الجنوب، وهو الفعل الذي أربك الحزب ونظام بشار، فقد تمّ بعدها تنظيم قصة شبعا وكفرشوبا كمشروع استمرار نوع من الحرب في سبيل أن يبقى لبنان تفاحة آيلة للسقوط، بدل أن يتحوّل شجرة مثمرة. في النهاية فقد أتى مشروع اغتيال رفيق الحريري ليغتال في شكل نهائي مشروع لبنان كدولة، ليعود تفاحة آيلة إلى السقوط في حضن «حزب الله»، حتى ولو كان مهترئاً.

 

حسن نصرالله خرج منذ أيام ليقول لجمهوره إنّ عليه توفير الغضب للحرب الأهلية القادمة! السؤال هو عن أيّ حرب أهلية يتحدث نصرالله؟ فالحرب الأهلية تحتاج الى طرف آخر من المواطنين، فعن أي فئة يتحدث؟ فهل الفئة الثانية هي طائفة أم أكثر؟ الواقع هو أن لا فئة أخرى في لبنان، حتى وإن رغبت، قادرة على المبادرة بحرب أهلية، فلا سلاح ولا تنظيم ولا مال يتدفّق لهؤلاء. هذا بالطبع لا يعني أنّ هذه الإمكانية مستحيلة، فبلمح البصر قد يأتي العون ليمد بالسلاح والتنظيم، وهذا ما حدث بالفعل عشيّة الحرب الأهلية عام 1975. لكن المؤكد هو أنّ وجود ميليشيات «حزب الله» هو دعوة دائمة، منذ اغتيال رفيق الحريري، الى حرب أهلية.

 

ماذا يعني كل ذلك؟ فليس من المنطقي اليوم أنّ «حزب الله» سيسلّم سلاحه ببساطة، ويقبل بواقع الوجود على حدّ سواء مع الآخرين. فلقد استثمرت إيران مليارات عدة لرعاية هذا الحزب واستخدامه في أوقات الشدة، وإيران ومشروعها الآن تحت الحصار. كما أنّ الحزب استثمر في حياة آلاف الشبّان الشيعة اللبنانيين في سبيل مشروع الغلبة على «الآخرين»، وحتى ولو استخدم في هذا الاستثمار شعارات عقائدية ودينية، كما أنّ مسألة المقاومة ضد العدو بقيت الواجهة الأكثر استعمالاً في أدبياته، لكنّ الواقع الأهم الذي ما زال هاجس الشيعة في لبنان هو الحصة في السلطة في لبنان، وأشباح الماضي القريب والبعيد عن الحرمان الذي لم يُنهه إلّا السلاح.

   

لذلك، فإنّ للقضية فصولاً أخرى، وما يجب انتظاره هو المزيد من التعقيدات، الأمنية والاقتصادية، المرتبطة بالدولي والإقليمي والمحلي، ولكن في كل الحالات لن أنتظر من «حزب الله» في ساعة الحشرة إلّا كما فعل شمشوم، أي هدم الهيكل عليه وعلى أعدائه.