ويشير مَن يتداولون هذه المعطيات إلى أن الموقفين الأميركي والسعودي يدخلان في حسابات امتناع الحريري عن قبول مهمة ترؤس الحكومة، لأن من العوامل الخارجية لنجاح أي تركيبة حكومية يتوقف على دعم واشنطن والرياض للبنان اقتصادياً، في حين لن تفعلا ذلك إذا تكرّرت تجربة تمثيل الحزب في الحكومة ليمارس تأثيره ونفوذه على السلطة من الداخل.
 

 تحدث مصدر بارز مواكب للأجواء التي سادت المحادثات التي أجراها ماكرون في زيارته الأولى بأن الزيارة الثانية للرئيس الفرنسي ما زالت قائمة في موعدها لكن من الأفضل بأن يصار التحضير لها في إحداث خرق يسبق مجيئه على الأقل لجهة مبادرة الرئيس عون إلى تحديد موعد لإجراء الاستشارات النيابية المُلزمة لتسمية الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الجديدة.

ثمة واقع جديد فرضته التطورات على لبنان، ومن المؤكد أن البلد أمام مرحلة جديدة تختلف عن الحقب السابقة، ولهذه المرحلة خصائص ربما تكون قاسية ومتعبة جدا وخصوصاً بعد قرار المحكمة الدولية.

بالاطلاع على القرار الصادر عن المحكمة الدولية الناظرة بقضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبالرغم من التحفظات التي ألقاها الكثيرون على الحكم، إلاّ أننا نستخلص من الصفحات الطوال التي وردت في وقائعه وحيثياته أن امتناعه عن إدانة ثلاثة من المتهمين هو لعدم كفاية الدليل، وادانته للمتهم الرابع سليم عياش، المصنف في الحكم نفسه، كقيادي في حزب الله على أن تلزمه لاحقا بعقوبات تجيزها صلاحياتها كمحكمة دولية، إتضح لنا أنها لم تهمل الخلفية السياسية للجريمة النكراء، بل صنفتها بعلاقتها المباشرة بكل من النظام السوري وحزب الله، وبالتالي فإن الحكم على القيادي سليم عياش بجرم ارتكاب الجريمة النكراء وسواء كان هذا الحكم يتناول متهماً أو أكثر، فهو بالنتيجة يلقي بالمسؤولية الجنائية-الإرهابية، من خلال المحكوم عليه عياش، في حضن حزب الله وفي إطار مسؤوليته الحزبية والمؤسساتية، إضافة إلى إلقائها أيضا على النظام السوري، وبالتالي النتيجة واحدة، والمحكوم عياش ينتمي إلى الحزب الذي تناولته الصفحات الطوال بكثير من الإتهامات  والمسؤوليات القانونية والإرهابية .

 

  سيقال الكثير عن المحكمة الدولية والحكم الذي توصلت إليه وسيكتب الكثير، لكن الثابت تمثل في تكريس مصداقية المحكمة مع سقوط حملات التحريض والاتهام بأن المحاكم الدولية مسيسة ولا يجوز الركون إليها. فجاء الحكم بالأدلة القاطعة ، ليؤكد أن الجريمة تمت لأسباب سياسية، تقف خلفها جهات سياسية ، وقطعت المحكمة الشك باليقين عندما رأت أن النظام السوري وحزب الله أصحاب مصلحة في ارتكاب الجريمة وصولاً إلى تحديد زمن اتخاذ القرار بالتصفية الجسدية إثر مؤتمر البريستول الذي طالب بخروج جيش النظام السوري من لبنان.

 

 

في مقاربة قرار المحكمة يمكن رصد نقاط قوة في القرار، الابرز أدانتها المتهمين، ورغم مقتل مصطفى بدر الدين وانعدام إمكانية محاكمته، أصرّت المحكمة على إيراد الحيثيات المتعلّقة به، باعتباره قائداً عسكرياً من حزب الله، كما أكّدت وجود مصلحة للنظام السوري باغتيال الحريري وأنّ بدر الدين بصفته العسكرية شارك في الاغتيال، وحرصت على ذكر أنّ الحزب قد نعاه، وأنّها على ثقة تامة بعلاقة سليم عياش بالحزب.

 

 

توصلت المحكمة إلى أنّ المجموعة التي اغتالت رفيق الحريري هي مجموعة من حزب الله، وأنّ الاغتيال جاء في مصلحة نظام الأسد وحزب الله لأنه حصل على خلفية المطالبة بتطبيق القرار 1559 الداعي إلى الانسحاب السوري من لبنان وحلّ الميليشيات وسلاح الحزب. 

 

 

المحكمة منذ نشوئها مقيّدة من الناحية العملية بسقفٍ محدّد لا يمكنها تجاوزه، ولا يتيح للعدالة أن تخترق الخطوط المرسومة لتحديد قواعد اللعبة السياسية والأمنية، ولهذا، فإنه في كثير من بنود قرارها جاءت متناقضة مثل القول بانتماء المجرمين إلى حزب الله لكنّها لا تمتلك الأدلة على مسؤولية قيادة الحزب عن مشاركتهم في الجريمة.

 

إقرأ أيضا :الاستشارات الملزمة مؤجلة حتى اشعار آخر

 

ربما لم ينتبه اللبنانيون في خضمّ النضال لطلب العدالة إلى القيود المسبقة التي فرضتها روسيا في إطار التضامن بين الأنظمة الديكتاتورية والتحالف القائم بينها وبين إيران، وهذا ما يؤتي ثماره الآن لوضع الحدود على إمكانية إنزال العقاب بالمجرمين.

 

 

ولذلك،بعد قرار المحكمة الدولية هناك خشية في لبنان من ان يتأخّر تأليف الحكومة الجديدة في حال لم يتيسر تأليفها قبيل عودة الرئيس الفرنسي مطلع الشهر المقبل، حيث بات حكم المحكمة عاملاً شديد التأثير في تأليف الحكومة بموازاة مساعي الحريري لتجنّب الفتنة الشيعية السنّية. وذلك بالنظر الى الموقفان الأميركي والسعودي . 

 

الأول هو ترحيب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بإدانة المحكمة عياش، معتبراً أن حزب الله ليس مدافعاً عن لبنان كما يدّعي، بل هو منظمة إرهابية لخدمة أجندة إيران المذهبية والخبيثة. ويقول سياسيون التقوا وكيل وزارة الخارجية الأميركية ديفيد هيل خلال زيارته إلى بيروت الأسبوع الماضي إن الأخير ألمح أمام بعض السياسيين الذين التقاهم إلى أن واشنطن لن تقدم مساعدات للبنان من أجل إنقاذ اقتصاده إذا جرى تمثيل الحزب في الحكومة المقبلة.

 

 

الموقف الثاني الذي صدر عن وزارة الخارجية السعودية، يؤكد ظهور الحقيقة في جريمة اغتيال الحريري وأن الرياض بدعوتها إلى تحقيق العدالة ومعاقبة حزب الله وعناصره الإرهابية تؤكد ضرورة حماية لبنان والمنطقة والعالم من الممارسات الإرهابية لهذا الحزب. ويأتي الموقف السعودي ليعزّز معلومات يتداولها الوسط السياسي في بيروت عن أن الرياض تعتبر نفسها غير معنيّة عند استمزاج رأيها بتولّي سعد الحريري رئاسة الحكومة.

 

 

ويشير مَن يتداولون هذه المعطيات إلى أن الموقفين الأميركي والسعودي يدخلان في حسابات امتناع الحريري عن قبول مهمة ترؤس الحكومة، لأن من العوامل الخارجية لنجاح أي تركيبة حكومية يتوقف على دعم واشنطن والرياض للبنان اقتصادياً، في حين لن تفعلا ذلك إذا تكرّرت تجربة تمثيل الحزب في الحكومة ليمارس تأثيره ونفوذه على السلطة من الداخل.