لطالما كان سعي نظام البعث السوري وأتباعه وحلفائه في لبنان هو الإبقاء على حديقة سوريا الخلفية التي تصادف أنها لبنان، وهي مجرد مساحة جغرافية للعب واللهو والنهب والسرقة مما يسهل استعمالها كصندوق بريد إذا ما اقتضت الحاجة إلى ذلك ،  هذه الحقيقة البديهية التي يعرفها اللبنانيون جيداً ويعرفها قبلهم سياسيوهم على مختلف أطيافهم، ولا يشك بها أو يناقشها أي بصير يمتلك الحدّ الأدنى من الفهم والوعي الساذج لكل ألاعيب نظام البعث وما كان يفعله طيلة الفترات السابقة قبل الطائف وبعده .

 

ولطالما أدرك نظام البعث هذا أن خسارة الورقة اللبنانية هي بداية نهاية النظام الحتمي لما كان يشكل لبنان من خط دفاع أول ومتراس متقدم يستطيع من خلاله التأثير على كامل المنطقة إن من خلال ورقة الجنوب وما لها من أبعاد جيوسياسية تصل إلى مراكز القرار العالمي، أو من خلال الضغط الداخلي وتشعباته المسيحية والسنية، ومن هنا كان الملف اللبناني يمثل أولوية كبرى عند هذا النظام والرئة التي منها يستمد الأوكسيجين لإبقائه على قيد الحياة .

 

ولطالما عمل هذا النظام المجرم على لعب دور رجل الإطفاء لإخماد النيران اللبنانية التي كان يشعلها بنفسه، والهدف الأول والأخير عنده هو منع لبنان من الوقوف على قدميه بأي وسيلة وتحت أي مسمى، وعليه فإنّ العدو رقم واحد بالنسبة لحاكم الشام كان وما يزال هو كل مطالب أو ساعي أو طامح أو حتى حالم بقيام لبنان الدولة والمؤسسات لأنه حيئذ يشكل خطراً وجودياً بالنسبة له . وكما هو معروف فإن الإمام الصدر الذي كان جلّ همّه وكل حركته إنما تصب في خدمة الهدف الأول والأعظم بالنسبة له، وهو إيمانه الكبير في قيام لبنان الوطن النهائي لجميع أبنائه، هذا ما تؤكده بسهولة متناهية مجرد العودة السريعة إلى كل أدبيات الإمام السياسية، وخطاباته العامة والخاصة، وهذا ما يمكن استنتاجه ببساطة بمجرد الرجوع إلى السلوك العملي الذي انتهجه الإمام طيلة فترة نشاطه الذي لم يهدأ منذ قدومه إلى لبنان بعد رسالة المبايعة التي بعث بها أهالي مدينة صور 1955 وإلى يوم اختفائه المشؤوم على الأراضي الليبية 1978.

 

 

فبلا شك ولا ريب فيه أن الإمام الصدر أصبح يشكل خطراً حقيقياً على جهة لا تريد للبنان الإنتقال إلى مرحلة الدولة، وفي مقدمة هؤلاء نظام البعث السوري حليف نظام القذافي الأول.  وهذه المقدمة أعلاه تصلح بالدقة والواقعية على الشهيد رفيق الحريري بلا زيادة ولا نقصان، ولنفس الأسباب التي أدت إلى تغييب الإمام الصدر وإزاحته عن المشهد اللبناني هي نفسها التي أدت في شباط 2005 إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري،  وعشية إحياء الذكرى 38 لتغييب الإمام الصدر يجب التذكير بأن كل مصائبنا وما نحن عليه من انهيار وتفتت ما هو إلا امتداد واستمرار لما افتعله هذا النظام الأسدي ببلدنا وبشعبنا، وما يفعله بالشعب السوري من تقتيل وتهجير، وإن الدفاع عن هذا النظام تحت أي مسمى وأي تبرير هو بمثابة المشاركة العملية والرضى الحقيقي بقتل الشهيد الحريري واختطاف الإمام الصدر لأنه بهذا المعنى ليس بين الرجلين مسافة .