تدلّ كل المؤشرات الى أنّ لبنان يعيش آخر فصول الانقلاب على الدولة والدستور الذي بدأ منذ العام 1990 وما زال مستمراً، ولَو بأشكال مختلفة، والفصل الأخير لن يكون طويلاً، ولكن يصعب التكهُّن بخواتيمه.

حوّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الساحة الشرق أوسطية إلى واحدة من الساحات التي يخوض فيها انتخاباته الرئاسية التي قطع شوطاً مهماً منها نحو ولاية ثانية باتت أكيدة، وهو يعتدّ بأنه أوّل رئيس أميركي ينجح في رعاية سلام عربي-إسرائيلي على البارد، في خطوة بَدا معها اتفاق السلام الإسرائيلي-الإماراتي بمثابة الزلزال السياسي الذي يرسم معالم المنطقة في مرحلة ما بعد الانتخابات الأميركية.

 

وليس تفصيلاً انّ تطوّراً من هذا النوع لم يثر ردود فعل شعبية عربية رافضة للسلام والتطبيع مع إسرائيل، والسبب في ذلك انّ بعض الدول العربية وشعوبها أصبحت تعتبر انّ الخطر على وجودها واستقرارها وأمنها هو إيراني لا إسرائيلي، الأمر الذي سهّل وعَبّد الطريق أمام تفاهمات معلنة، ما يعني إخفاق السياسة الإيرانية التي استخدمت، بالنسبة إلى العرب، العنوان الإسرائيلي لمصادرة القرار العربي، وبالتالي التقارب مع تل أبيب هو مسؤولية إيرانية.

   

وهذا التطور يؤدي إلى مزيد من الإطباق على طهران التي لم تعد تُجدي مزايداتها في هذا العنوان، بل جعلت العرب ينتقلون من ضفة التردد إلى ضفة حسم خياراتهم حتى حدودها القصوى، والخطوة الإماراتية لن تبقى يتيمة وفق أكثر من موقف أميركي وإسرائيلي، ما يعني استكمال حلقات الحصار على إيران المعزولة أميركياً ودولياً وعربياً وإسلامياً، وتواجه أزمة مالية خانقة، وكل أذرعها في وضع شديد الصعوبة بين من يقاتل قتالاً تراجعياً على غرار «الحشد الشعبي» في العراق و»حزب الله» في لبنان، وبين من سقط عسكرياً في انتظار إعلان وفاته كالنظام السوري.

 

فطهران المحاصرة لم تعد تملك أوراقاً لتفاوض عليها وتقايض من خلالها، بل فقدت معظم أوراق قوتها، وهذا لا يعني أنه لم يعد في مقدورها التفجير، ولكن هذا الخيار يعني كمَن قرر الانتحار لأنّ ميزان القوى ليس لمصلحتها إطلاقاً، وأيّ هروب إلى الأمام يجرّ عليها تداعيات كبرى، ما يعني انّ الخَربطة لم تعد ممكنة، بل ستكون مضطرة بعد إعادة انتخاب ترامب للجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل التهيئة للتسوية الكبرى التي ستنقل المنطقة للمرة الأولى نحو الاستقرار.

 

وفي موازاة زلزال السلام الإماراتي-الإسرائيلي الذي أدى إلى مزيد من خلط الأوراق في المنطقة المفتوحة على تطورات ومفاجآت إضافية، فإنّ زلزال انفجار المرفأ لن تنتهي مفاعيله وتردداته مع سقوط الحكومة، وإذا كان الكباش الظاهر اليوم يتمحور حول الحكومة العتيدة، فإنّ الإطلالة المتوترة للسيد حسن نصرالله تعكس بدقة حجم المأزق الذي هو فيه، ومردّه إلى الأسباب التالية:

ـ السبب الأول لعجزه عن إخراج لبنان من أزمته المالية بقدراته الذاتية أو بقدرات المحور الشرقي الذي ينصح به، وبالتالي هو أمام خيارين، إمّا اعتماد النهج الإصلاحي والانفتاح على العرب والغرب، وإمّا الانهيار الشامل.

  ـ السبب الثاني لأنّ ثورة 17 تشرين أسقطت حكومة الوحدة الوطنية، بدليل انه اضطرّ بفِعل الضغوط الشعبية إلى تأليف حكومة تكنوقراط مقنّعة، ومع سقوط هذه الحكومة لا يمكنه العودة إلى ما قبلها، لأنّ وضعه لا يسمح بذلك في اعتبار انّ الوضع اليوم أسوأ بكثير ممّا كان عليه عشيّة تكليف دياب وتشكيل حكومته.

ـ السبب الثالث لأنه كان يراهن على موقف فرنسي مُتمايز عن الموقف الأميركي في موضوع الحكومة، فاصطدم بموقف مشترك داعم لحكومة حيادية من اختصاصيين، وهذا ما يفسِّر هجومه على هذا النوع من الحكومات ومطالبته بحكومة وحدة وطنية من أجل أن يقول: «أنا هنا لا يمكنكم القفز فوقي»، فوضع عنوان حكومة الوحدة سقفاً تفاوضياً يدرك انه لا يمكنه الوصول إليه، ولكنه ينطلق منه للوصول إلى سقف حكومة دياب، الأمر المتعذّر بدوره، ولكنه سيحاول من أجل تحسين شروطه.

ـ السبب الرابع،لأنه شعر بالخطر الحقيقي من الذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة، ولو لم يُضحِّ بالحكومة لكانت تحوّلت الانتخابات المبكرة أمراً واقعاً، ودفاعه المستميت عن المجلس بَدا واضحاً وواضعاً خطاً أحمر حول إسقاطه على غرار خطوط حمر كثيرة وضعها في المرحلة الأخيرة وتهاوَت تباعاً، وتمسّكه بالمجلس مردّه إلى خشيته من خسارته الحتمية للأكثرية التي يحتفظ بها.

ـ السبب الخامس، لأنه شعر بالخطر أيضاً من ان تؤدي الانتخابات المبكرة إلى التمهيد لانتخابات رئاسية مبكرة، فيخسر دفعة واحدة حليفاً رئاسياً وأكثرية نيابية، وقد بَدا لافتاً دفاعه المستميت عن الرئيس ميشال عون ومن دون وجود مناسبة، الأمر الذي يفسِّر خشيته من ان تطيح الأحداث برئيس حليف، فيصبح مطوّقاً من 3 زوايا: الزاوية المؤسساتية: رئاسة الجمهورية، الحكومة ومجلس النواب. الزاوية الشعبية: مع الغليان الشعبي المتصاعد. الزاوية الدولية: التي تربط أي مساعدات بقيام الدولة وتراجع نفوذ «حزب الله».

 

ويستطيع السيد نصرالله ومعه عون أن يتمسّكا بالحكومة التي تناسبهما، كما في إمكانهما، انطلاقاً من الأكثرية التي في حوزتهما، أن يعيدا تكليف الرئيس حسان دياب، فهذا شأنهما. ولكن هل في إمكانهما حلّ الأزمة المالية؟ بالتأكيد كلا، ولذلك، إمّا ان يذهبا في اتجاه تأليف الحكومة التي تخضع لإملاءاتهما ومن دون وعيد وتهديد ومزايدات وشروط، وإمّا عليهما التسليم بشروط المرحلة محلياً وخارجياً، وبالتالي تشكيل حكومة مستقلة لا تأثير لهما عليها.

 

فما بين الهجمة الدولية على أثر انفجار بيروت، وبين تَزاحم الملفات من الأزمة المالية إلى فشل الأكثرية الحاكمة ووصولها إلى طريق مسدود والغليان الشعبي والانقسام السياسي وترهُّل المؤسسات وانعدام ثقة الناس بالدولة والمحكمة الدولية وترسيم الحدود وتعديل مهمة «اليونيفيل» ورفع البطريرك الماروني عنوان الحياد مشروعاً خلاصياً، وغيرها من الملفات طبعاً. وبالتالي، أمام كل هذه الملفات التي تدافعت من أكثر من اتجاه، لا بد لأيّ متابع من ان يخرج بانطباع واضح هو انّ هناك حقبة في لبنان على قاب قوسين أو أدنى من الأفول.

 

وقد يصعب التنبّؤ طبعاً بخواتيم هذه المرحلة، إن لجهة الوقت الذي يمكن ان تستغرقه، أو لجهة آلية وطريقة العبور من مرحلة إلى أخرى، فهل ستكون على البارد أم الساخن؟ وما شكل المرحلة الجديدة المُقبل عليها لبنان؟ إلّا انّ الأكيد بأنّ الأسابيع المقبلة ستطوي الصفحات الأخيرة من الفصل الأخير لحقبة الانقلاب على الدستور والدولة التي بدأت في العام 1990.

 

ويترافق التحوّل الذي يشهده لبنان مع تحولات كبرى على مستوى المنطقة التي تستعد برمّتها لمرحلة جديدة، إنطلاقاً من اقتناع دولي، وأميركي تحديداً، بأنّ فصل المسارات لا يحقق النتائج المرجوّة، وانّ الحلّ الشامل هو المدخل الوحيد للاستقرار، هذا الحلّ الذي يسير على نار حامية، وستشكّل محطة إعادة انتخاب ترامب دفعاً وتتويجاً لهذا المسار.