لا يمكن فهم اتصالات الرئيس الفرنسي بالمرجعيات والقيادات السياسية اللبنانية البارزة غداة زيارته الاخيرة لبيروت ودعوته مباشرة او مداورة الى تشكيل حكومة وحدة وطنية، إلّا تأكيداً لتفويض أميركي ـ دولي له لرعاية حل للأزمة اللبنانية، وذلك بعدما تبيّن أنّ الضغوط الدولية التي مورِسَت على لبنان لتقويض نفوذ بعض القوى السياسية المؤثرة فيه أثبتت عدم جدواها، وأوصَلت البلد الى حافة الانهيار الذي يطيح بمصالح الضاغطين والمضغوطين في آن معاً، وبالتالي خسارة الجميع.

 

هذا الاستنتاج يدفع الاوساط السياسية الى التفاؤل بولادة «حكومة القرن»، كما بدأ يسمّيها البعض، في أقرب وقت، وربما خلال اسابيع قليلة، أللهمّ الّا اذا هبط «الوحي» وولدت عشيّة عودة الرئيس الفرنسي الى لبنان نهاية الشهر الجاري مشاركاً في الاحتفال بمئوية «دولة لبنان الكبير» التي أسّسها الجنرال غورو عام 1920. بيد أنّ ما بدأ يرشح من اللقاءات والمشاورات السياسية الجارية تحت عنوان «تسهيل التكليف والتأليف» حتى لا يستغرق كل منهما وقتاً إضافياً، يَشي بأنّ الولادة الحكومية تنتظر مجموعة محطات سياسية داخلية خارجية قبل الشروع في الخطوات الدستورية العملية لهذا الاستحقاق الدستوري الحكومي. من هذه المحطات زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركي ديفيد هيل الراهنة للبنان، والتي تكتسب أهمية مزدوجة، أولاً لارتباطها بالمبادرة الفرنسية الحاظية بدعم الولايات المتحدة الاميركية، ولارتباطها ثانياً بملف ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان واسرائيل، خصوصاً انّ الولايات المتحدة لم تعد وسيطة في هذا الملف بل باتت شريكة بعد دخول شركة «شيفرون» الاميركية العملاقة إليه، مشغّلة آبار النفط والغاز الاسرائيلية في حقلي «تامار» و»ليفتان» بعد شرائها شركة «نوبل اينرجي» التي كانت تشغلهما، علماً انّ رئيس مجلس النواب نبيه بري كان قد أكد في الآونة الاخيرة انّ تقدماً حصل على مستوى هذا الملف الذي يتولى التفاوض فيه مع الجانب الاميركي.

 

والمحطة الثانية هي صدور حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 18 الجاري، الذي ستكون له تداعياته على الوضع الداخلي في ظل تأكيد المعنيين انّ صدوره سيتم التعاطي معه بهدوء، خصوصاً انّ الاوضاع في البلاد لا تتحمّل اي مضاعفات من شأنها أن تزيدها سوءاً.

   

والمحطة الثالثة هي أنّ الرئيس الفرنسي سيستبِق عودته المرتقبة الى بيروت نهاية الشهر، بإرسال موفد له الى لبنان لإطلاع المرجعيات المسؤولة والقيادات السياسية التي اتصل بها هاتفياً على مدى الايام المنصرمة على نتائج اتصالاته الدولية التي شملت مجموعة من العواصم الكبرى والمؤثرة في الوضع اللبناني التي تُبدي الاستعداد لمساعدة لبنان وإنقاذه من الأزمة التي يتخبّط بها، خصوصاً بعد «كارثة القرن» المتمثّلة بالتفجير الذي دمّر مرفأ بيروت وبعض أحيائها وضواحيها.

 

لذلك، يقول معنيون بالملف الحكومي انّ الاتصالات الداخلية المشفوعة بالاتصالات التي تجريها الادارة الفرنسية عالمياً، تركز على البحث في الصيَغ الأمثل للحكومة العتيدة من حيث الشخصية التي ستكلّف تأليفها ونوعية أعضائها وحجمها والمهمات المُلقاة على عاتقها بما يمهّد الطريق لولادة حكومية سلسة، وتجنّب بقاء البلاد في ظل حكومة تصريف أعمال، بينما المطلوب حكومة دستورية كاملة الاوصاف وفاعلة قادرة على تحمّل المسؤوليات لانتشال البلاد من الهاوية السحيقة التي وقعت فيها سياسياً واقتصادياً ومالياً، وجاء تفجير مرفأ بيروت ليطفح به كيل الانهيار اذا جاز التعبير. والافكار المتداولة حول الحكومة العتيدة حجماً وشكلاً قليلة، وهي تراوح بين ان تكون «حكومة أقطاب» مصغرة او متوسطة الحجم لا يتعدى عدد اعضائها الـ10 الى 16 وزيراً حداً أقصى. امّا الشخصية التي ستكلّف تشكيلها فإنها لم تُحسَم بعد، وإن كان الحديث يدور حول إمكان ان يكون الرئيس سعد الحريري. لكنّ الرجل لديه شروطه المعروفة، وهي أن يترأس حكومة حياديين، وبين إمكان اختيار شخصية نيابية سياسية تكنوقراطية لديها مواصفات وعلاقات دولية من شأنها ان تترأس حكومة تكنوسياسية او تكنوقراط. لكنّ هناك من يقول انّ تبلور الحكومة العتيدة، برئيسها ونوعية أعضائها وحجمها، ينتظر نتائج الاتصالات الجارية بين العواصم الكبرى وبعض العواصم الاقليمية، ويلعب الجانب الفرنسي الدور الاساسي فيها، وهذه الاتصالات تشمل بالدرجة الاولى المملكة العربية السعودية وعواصم خليجية أخرى وايران، خصوصاً أنّ هذه العواصم لم يصدر عنها أي رد فعل بعد او أي تعليق ملحوظ حول المبادرة الفرنسية وطبيعة الحكومة العتيدة.

   

بيد أنّ نَبض الشارع هو ما يتوقف عنده كثير من المعنيين والمهتمّين، حيث أنّ الحراك الشعبي، وعلى رغم تدخّلات بعض القوى السياسية فيه التي كادت أن تَحرفه عن مواضعه، يُعارض تشكيل حكومة من المنظومة السياسية التي يحمّلها مسؤولية انهيار البلاد اقتصادياً ومالياً، ويتّهمها، بالمباشر وغير المباشر، بالفساد ويطالب بمحاكمتها واستعادة المال الذي نهبته وكذلك مليارات الدولارات المهرّبة الى الخارج، فهذا الحراك ربما سيعوق الولادة الحكومة أكثر فأكثر، وربما يدفع القوى المؤثرة الى فتح ملفات الفساد لحلفائها والخصوم، خصوصاً انّ بعض وسائل الاعلام العربية والدولية بدأت تتحدث عن شيء من هذا القبيل، وتشير الى تورّط هذه الجهة او تلك في لبنان بالفساد، وقد بدأ بعض المعنيين يقول انّ المهمة الاساسية الجديدة ستكون إجراء الاصلاحات المطلوبة دوليّاً ومكافحة الفساد، حتى اذا نجحت بذلك تستحق عندئذ لقب «حكومة القرن»...