كان اللبنانيون ينتظرون وصول مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسيّة ديفيد هيل الى بيروت للاطّلاع على ما في جعبته، سعياً الى فهم الجديد من الطروحات الفرنسية. وطالما انها تزامنت مع وصول وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف، فقد بدأ البحث عن صورة ثلاثية الأبعاد مطلوبة للحل في لبنان من أطرافها باريس وواشنطن وطهران. وعليه، ما الذي يمكن البناء عليه؟

لم يعد خافياً على أحد حجم السباق القائم بين البوارج وحاملات الطوافات والغارات الديبلوماسية على الساحة اللبنانية. فالنكبة التي حَلّت باللبنانيين نتيجة انفجار المرفأ وتردداته الكارثية أحيَت المبادرات الانسانية العربية والغربية على رغم من ابتعاد العرب سياسياً وديبلوماسياً عن أي مبادرة عقب المقاربة الجديدة التي أطلقها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على اساس أنّ مفتاح أزمة لبنان سياسي.

 

فقد ثبت انّ الازمة النقدية في لبنان لم تكن لأسباب مالية واقتصادية فحسب، بل هناك وجه سياسي لها عَمّقته السياسات اللبنانية المعتمدة في قصر بعبدا والسرايا الحكومية والضاحية الجنوبية لبيروت. وهي التي أدّت الى شرخ عميق في علاقات لبنان مع أصدقائه التاريخيين. فقادت البلد خلف المحور المعادي لمجموعة الدعم الدولية من اجل لبنان وأصدقائه الخليجيين. وعندها، تفاقمت الأزمة. وما زاد في الطين بلة جائحة «كورونا»، واكتمل «النقر بالزعرور» بحلول نكبة 4 آب، فبلغت الأزمة الذروة، وليس أدلّ على ذلك من الاعتراف الدولي والمحلي بأنّ ما لحق بلبنان من أضرار منذ بدء الأحداث في العام 1973 وحتى 3 آب 2020 لا يتجاوز الـ 35 % ممّا لَحق ببيروت ومحيطها في دقائق من مساء 4 آب. هذا قبل ان تستكمل الجردة لتطاول حجم الخسائر الناجمة عن الأضرار الإقتصادية غير المرئية وتلك الناجمة من تدمير وإقفال آلاف المؤسسات والمكاتب التي هجرت بيروت او انتقلت الى مناطق اخرى في الداخل والخارج وما بلغه حجم البطالة.

   

وفي الوقت الذي انطلقت فرَق الإغاثة الدولية العربية والغربية بما فيها المستشفيات الميدانية التي استقطبت كل انواع المراجعات الطبية، تبقى الانظار متوجّهة الى تلك المتخصّصة في جوانب من التحقيق سواء على المستوى الكيميائي او التقني. وهي ما زالت تبحث في بقعة التفجير عمّا يدلّ الى الأسباب الحقيقية التي قادت الى تفجير «عنبر النيترات»، وهي تشمل مناطق بين البحر والبر وفي المنطقة المنكوبة في انتظار الصوَر التي ستوفرها الأقمار الصناعية الاميركية والفرنسية، كما طلب لبنان، بحثاً عن عوامل خارجية يمكن ان تقود الى تحديد أسباب ما جرى ليبنى على الشيء مقتضاه. وهي مهمة يجب ان تكمل ما يجري على مستوى التحقيق الاداري الذي يقوم به القضاء لتحديد المسؤوليات في ما يسمّى «الاهمال الوظيفي» او «التقصير» في اتخاذ ما كان يجب اتخاذه من إجراءات استباقية.

 

على هذه الخلفيات تتجه الأنظار الى الحراك الديبلوماسي الذي يقوده ممثلو الثلاثي الدولي انطلاقاً من المبادرة الفرنسية واستقصاء رد الفعل الأميركي كما الإيراني. فقد بات واضحاً انّ الرئيس ايمانويل ماكرون كان متحمّساً لعودة الرئيس سعد الحريري عبر حكومة سمّاها «وحدة وطنية» ولكن بمفهوم غير ذلك السلبي لبنانيّاً. فبعد توضيح الاليزيه، سعى السفير الفرنسي برونو فوشيه، الذي لم يوفّر اتصالاً أجراه في الأيام الماضية مع رؤساء الأحزاب الذين شاركوا في لقاء 6 آب في قصر الصنوبر، الى توضيح انّ ما قصده رئيسه يعني أن تكون حكومة يتوافق عليها اللبنانيون ليطلقوا يدها داخليّاً وخارجيّاً فلا تعمل سوى لمصلحة ما هو مطلوب من إصلاحات بنيوية وهيكلية توفّر الحد الادنى من مطالب صندوق النقد الدولي لتنطلق المفاوضات مجدداً، وخصوصاً أنهم توافقوا بعد جهد كبير على أنه البوابة الاجبارية ليستعيد لبنان صدقيته في العالم والثقة المفقودة داخليّاً وخارجيّاً وللاستفادة من قروض وهِبات «سيدر 1» والجهات والحكومات المانحة.

   

حتى هذه اللحظة لا يمكن القول انّ الفرنسيين حسموا أمرهم خصوصاً انّ للأميركيين، وكما تسرّب قبل وصول ديفيد هيل الى لبنان، رأي في الحكومة المطلوبة. وهي حكومة حيادية ومستقلة خالية من أي تمثيل لـ»حزب الله» وبرئيس متحرّر من الحساسيات الداخلية اللبنانية، مثل نواف سلام، من دون التوقف عند اسمه أو شخصه. ولمَن يقول انها تحتاج الى ثقة مجلس النواب، يقولون انّ التوافق ضروري بين من بيَدهم القرار. وهو أمر لم يعد يسمح الوقت بتمييعه، وعلى الجميع ان يقولوا كلمتهم النهائية اذا أرادوا حكومة تدير البلد لمرحلة انتقالية مهما قصرت او طالت. ولإعادته الى السكة الصحيحة مالياً واقتصادياً بدعم خارجي لا محدود اذا توافق اللبنانيون على الحد من التدخلات الخارجية وإنهاء المظاهر التي تعوق سلطة الدولة على كل اراضيها ومعابرها وحدودها وضمان دخول مواردها الى خزينتها كاملة، وكما هي مقدّرة، بعد وَقف كل أشكال التهريب والتهرّب الضريبي ومكافحة الفساد وإرساء أنظمة الضرائب العادلة والحَوكمة الرشيدة والشفافية ومحاسبة الفاسدين والمفسدين عَدا عن التحقيق الجنائي.

 

على هذه الخلفيات برزت الفوارق بين النظرة الأميركية والفرنسية الى شكل الحكومة وتركيبتها، وان التقت النظرتان امام اهدافها وبرامج عملها، فإنّ طهران لم تظهر بعد رأيها في وضوح، فهي الطرف الثالث الذي سيكون له رأي في ما سينفّذ، وانّ السعي الفرنسي الى إفهامها ضرورة تقديم النصح لأصدقائها في لبنان بتقديم التنازلات المطلوبة لم يَنته بعد الى ما يمكن تطبيقه. فالعوامل الخارجية وعلاقاتها المتوترة مع واشنطن ما زالت عائقاً امام التوصّل الى كلمة سر واضحة تفتح الطريق الى الحل المرغوب به.

 

وإن توقف المراقبون امام تصريحات ظريف في بيروت، فإنها لا تؤشّر الى تحوّل مهم يُسهّل الطريق امام المبادرة الفرنسية، والتي قيل انها اقتربت في الشق الحكومي من النظرة الأميركية، فكانت مع الحريري لحكومة «أقطاب» أو «توافق وطني»، ولم تعد تُمانع بنواف سلام على رأس «حكومة محايدة». فإنّ ذلك سَبق بدء جولة الموفد الاميركي في بيروت، لكنّ تصريحات وزير الخارجية الايرانية ما زالت غامضة، وتوحي في شكلها ومضمونها وعباراتها التقليدية بأنّ بيروت ما زالت في المحور الذي تدعمه بلاده ولم يسجّل اي تغيير استراتيجي. فتَصلّب «حزب الله» لا يحرّر رئيس الجمهورية ولا رئيس مجلس النواب والآخرين من شروطه، خصوصاً بعد ان تمّ تعطيل الخطوات الآيلة الى تقصير ولاية المجلس النيابي وإجراء انتخابات مبكرة، واكتفَت بالتضحية بحكومة حسان دياب من دون أفق واضح الى اليوم. فسيّان لديه بين كونها حكومة «كاملة المواصفات الدستورية» او لـ»تصريف الاعمال»، فما طُلب منها في الوقت الضائع قد نُفّذ، وما عليها وعلى رئيسها سوى انتظار المراحل اللاحقة.

 

واستناداً الى ما تقدّم، هناك من يعترف بأنّ طهران لن تقول كلمتها في بيروت، ولن تسجّل على نفسها تراجعاً بهذا الحجم من العاصمة اللبنانية. والى أن يعود وزيرها الى بلاده وتُستعاد الإتصالات بين باريس وطهران وما بينهما واشنطن، يمكن ان يتوافر الخبر اليقين. وهو ما يحتاج الى بعض وقت لا تحدّه سوى دعوة رئيس الجمهورية الى الاستشارات النيابية إيذاناً بنضوج الطبخة الحكومية ومعها ما سيليها.