قد يكون من المبكر الحديث عن المرحلة التي ستلي استقالة حكومة الرئيس حسان دياب، وما إذا كانت الطريق إلى تأليف الحكومة معبدة، أم انها ستكون وعرة، لكن ما هو متوافر من معلومات إلى الآن، فإن القوى السياسية ترى ان الأولوية راهناً ستكون لمسألة اختيار رئيس قادر على تشكيل حكومة فاعلة وقادرة على إنقاذ البلد، وان يكون الرئيس العتيد للحكومة الجديدة قادرا على الحصول على دعم عربي ودولي بالمقابل اولوية الثورة الشعبية السلمية اسقاط هذه السلطة الجائرة ومحاكمتهم .
 

وكأن جملة المشكلات التي يعاني منها لبنان لم تكفيه، فكان الانفجار الكبير في الرابع من آب الماضي في مرفأ بيروت بمثابة الضربة القاضية على ما تبقى من أمل بمستقبل البلد. الجريمة ضد الانسانية التي حدثت لا يمكن إطلاق أي وصف عليها سوى انها جريمة حرب، فهي أكثر من كارثة حلت على بلد منكوب أصلا، هو وشعبه. وما يزيد من هذه الكارثة، أن لا مسؤولية محددة حتى اليوم عن أسباب الانفجار ومسببيه، ولكن مهما تكن الامور فإن الأكيد أن ما بعد 4 آب ليس كما قبله، ويبدو أن الامور تبدلت والمعطيات تغيرت، ودماء الشهداء والجرحى التي روت أرض بيروت بالتأكيد يجب ان لا تذهب هباء .

 

 

في ذكرى أسبوع على انفجار المرفأ ، حمل اللبنانيين، اوجاعهم إلى الموقع حيث وقعت الكارثة، مع صور وأسماء الضحايا الذين ذهبوا بفعل الإهمال، وربما التآمر، بانتظار التحقيقات والوقوف دقيقة صمت على أرواح هؤلاء الذين قضوا وأصبح عددهم 171 شهيداً مع اختلاط أصوات الاذان مع اجراس الكنائس . 

 

جريمة تفجير المرفأ هي بداية الموجة الثانية من الانتفاضة الشعبية السلمية. الموجة الأولى انطلقت يوم 17 تشرين الأول الماضي من أجل التغيير الجذري.تحت شعار "كلن يعني كلن" والانتفاضة كشفت عن أمرين الاول مدى العزلة الشعبية لسلطة غارقة في الفساد والنهب والمحاصصة، وتعتاش على العصبيات الطائفية والمذهبية، ومستندة إلى تحالف السلاح يغطي الفساد. 

 

إقرأ أيضا : فترة حاسمة قبل نهاية ايلول

 

 

الامر الثاني ولادة جيل لبناني جديد ، جيل عابر للطوائف والمناطق، يحلم في بناء المستقبل ، واعطى الجميع أملاً بالوصول الى دولة مدنية ديمقراطية حديثة. 

 

لكن الانفجار الزلزال جعل هذه السلطة الجائرة عارية بالكامل. ومن الطبيعي أن يقود هول الكارثة إلى الحزن والغضب والإصرار على محاسبة المسؤولين الكبار عن الكارثة بالإهمال أو بالعجز. وهم أصلاً مسؤولون يحرصون على حساباتهم المالية والسياسية والطائفية ويرفضون أي محاسبة إلّا إذا بالاضطرار شرط أن تطال الصغار. وهذا ما نراه في التحقيق الذي أصرّ المسؤولون على طابعه الإداري رافضين التحقيق الدولي. والحجة أن الهدف من المطالبة به هو تضييع الحقيقة كما قال رأس السلطة. 

 

 

ومن الصعب تضييع الحقيقة بعدما انطلقت الموجة الثانية بمظاهرة يوم الحساب بإصدار الحكم السياسي على المسؤولين، وأجبر حكومة حسان دياب على الاستقالة. فالسلطة التي في الواجهة أُصيبت باهتزاز شرعيتها حين قادت البلاد إلى أزمات نقدية ومالية واقتصادية وسياسية لا تملك حلاً لها، وهي بعد الكارثة فقدت الشرعية بالكامل. وصاحب السلطة أي حزب الله، خسر شرعية المقاومة عندما صار سلاحه يعمل في سوريا والعراق واليمن، ودوره الأمني في بلدان عدّة في المنطقة والعالم.

 

ومن هنا تبدأ تحدّيات الموجة الثانية من الثورة. فالمشكلة الأساسية التي رافقت الانتفاضة الشعبية السلمية مزدوجة من جهة، مطالبة الممسكين بالسلطة والمال بالتخلي عن مصالحهم لتحقيق الإصلاحات، وهذه مهمة مستحيلة. 

 

 

ومن جهة أخرى، عدم القدرة على إسقاط السلطة لا مجرد الحكومة. الآن يبدو الثوار أكثر تحديداً للأهداف والوسائل. والمهمة العاجلة اليوم امام الانتفاضة المباشرة بالمطالبة بحكومة الثورة وليس بترك السلطة الجائرة باعادة التقاط انفاسها وهذا الامر يشكل تطور مهم  لما سيأتي. فالظروف الخصبة للثورة عبر الأزمات الخانقة والألعاب السلطوية والمصرفية، أتت كارثة المرفأ لتؤجج مشاعر الغضب ضد هذه السلطة. المطلوب اليوم العمل على مواجهة هذه السلطة من خلال تجذير الثورة في النفوس والتركيز على النزول اليومي إلى الشارع. وأيضاً السعي للتشكيل كتلة شعبية وطنية كبيرة عابرة للطوائف والمذاهب والمناطق وقادرة على تغيير موازين القوى لفرض برنامج التغيير. من أجل إسقاط التركيبة الحاكمة. لكن من الضروري تجنّب خطأ الرغبة في إبعاد هذا الطرف أو ذاك . 

 

 

ليس ما بعد زلزال انفجار المرفأ كما ما قبله بالنسبة الى لبنان. من المؤكّد أنّه شكَّل محطة مفصلية ستأخذ لبنان من مكان إلى آخر، وستعيد خلط أزماته السياسية والمالية والاقتصادية والأمنية بشكل عنيف، وفي توقيت شديد الحساسية.  التغيير ضروري في هذه المرحلة وهو اتخذ شرعيته من ضغط غربي إيجابي وسط انفتاح دولي وعربي على هذا البلد هو في أمس الحاجة إليه اليوم. وقد دشنت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى لبنان المرحلة الجديدة التي اتخذت تجلياتها عبر مؤتمر باريس الذي رعاه ماكرون والأمم المتحدة وجاء بدعم أميركي وحضره الرئيس دونالد ترامب.

 

 

قد يكون من المبكر الحديث عن المرحلة التي ستلي استقالة حكومة الرئيس حسان دياب، وما إذا كانت الطريق إلى تأليف الحكومة معبدة، أم انها ستكون وعرة، لكن ما هو متوافر من معلومات إلى الآن، فإن القوى السياسية ترى ان الأولوية راهناً ستكون لمسألة اختيار رئيس قادر على تشكيل حكومة فاعلة وقادرة على إنقاذ البلد، وان يكون الرئيس العتيد للحكومة الجديدة قادرا على الحصول على دعم عربي ودولي بالمقابل اولوية الثورة الشعبية السلمية اسقاط هذه السلطة الجائرة ومحاكمتهم .