لم تستبعد بعض الدوائر أن تكون الاستقالة الاضطرارية لدياب، والتي بقيت حتى ربع الساعة الأخير رهن اتصالات مكوكية صُوِّرت على أنها لترتيب مخارج تفرْملها، من باب استيعاب الصدمة أو امتصاص نقمة الغضب على السلطة وتالياً التمهيد لفترة طويلة من تصريف الأعمال قد تشهد تعقيدات تبدأ حتى من تكليف رئيس الحكومة الجديد الذي سيكون اختياره رهْن شكل الحكومة والتفاهم الصعب على مجمل المرحلة التالية.
 

بعد أقلّ من 7 أشهر على ولادتها بعد استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري على وهج انتفاضة 17 تشرين 2019، استقالت حكومة دياب على هدير بيروتشيما الذي تردّد صداه في العالم بأسره. ولكن ما هي الاحتمالات الان؟ بالطبع الضغوط الدولية كبيرة جداً، والمراقبة الغربية واضحة جداً، ليس أقلّ دلائلها اتصال الاليزيه  بعبدا بعيد تأكيد الاستقالة، فهل تقبل حارة حريك بالتسليم بخسارتها اقلّها المعنوية سترسم تطورات الأيام الفاصلة عن نهاية الشهر الحالي نتائج الاحتقان السائد في لبنان إثر تفجير الرابع من آب، الذي توّج حقبة حكم سلطة تحالف اللون الواحد.

 

 

لقد دمر الانفجار نصف بيروت في ثوانٍ، وقضى على مينائها المزدهر ، وأوقع ألاف القتلى والجرحى، بين سكان اعتقدوا أن جدران منازلهم تحميهم، وعمال وموظفين أصابهم التفجير في أماكن عملهم.

 

واكتسب الانفجار غير المسبوق رمزية خاصة لأسباب عدة، فأحد أسبابه المعلنة الإهمال والتواطؤ الوظيفي في مصادرة وتخزين مواد قابلة للتفجير طوال سنوات، وإذا أضيف إلى هذا أن المواد قد تكون جزءاً من واردات حزب الله وإيران والنظام السوري من المادة التي تستخدم في صنع الرؤوس والبراميل المتفجرة، فإن حلقة تواطؤ اركان السلطة تكتمل بتفاصيلها وامتداداتها المتشعبة والمتجذّرة في بنية السلطة، من الأمن إلى القضاء فالإعلام وصولاً إلى مَن يسمون رجال دين مستعدين لترجمة الموقف السياسي والأمني بإسقاطات إلهية خاصة تخدم تأبيد حالة التسلط والانهيار.

 

 

هزَّ انفجار واجهة بيروت العالم بأجمعه، وبدا أن لبنان المعزول بأزماته استعاد في لحظة احتضان المجتمع الدولي وتعاطفه. تخطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظرية ترك البلد يحل مشكلاته وحضَرَ شخصياً ليكرر على مسمع أركان السلطة الحاكمة ومعارضيهم ملاحظاتٍ كان حمَلَها وزير خارجيته لودريان قبل أيام، قال لهم عليكم أن تبنوا دولة وأن تقروا الإصلاحات على طريق تغييرٍ سياسي حقيقي.

 

إقرأ أيضا : مؤشرات إيجابية للخروج من النفق مرهونة بالتنفيذ

 

 

 

ووبّخَ ماكرون محدثيه الرسميين وتحوّلَ زعيماً شعبياً في الشوارع التي غابوا عنها، وتحولت مبادرته السياسية الإنسانية إلى كرة ثلج، فتمكن في أيام قليلة من جمع العالم في مؤتمر دعم إنساني للبنان برعاية الأمم المتحدة. وفيما هبَّت الدول العربية إلى تقديم المساعدات، وتدفق مثلها من دولٍ عدة حول العالم، كانت كلمات ماكرون أنه عائد في الأول من أيلول إلى بيروت تصدحُ في أذهان اللبنانيين. فالموعد هو ذكرى مئوية إعلان دولة لبنان الكبير، المناسبة التي استجابت فيها دولة الانتداب الفرنسي لمطلب غالبية اللبنانيين بإقامة دولتهم المستقلة، هي التي سنّت لنفسها أول دستورٍ جمهوري في العالم العربي 1926. 

 

 

وكان ماكرون، القادم باسم فرنسا والاتحاد الأوروبي، واضحاً في طلبه إجراء تغيير في لبنان، وتلبية العالم بما في ذلك الولايات المتحدة وجامعة الدول العربية طلبه عقد المؤتمر العالمي من أجل لبنان، الأمر الذي أضاف بُعداً دولياً للشروط التي اقترحها للإنقاذ، وهذا ما يضع الكرة في ملعب اللبنانيين مجدداً، إذ عليهم أن يقرروا ما يريدون ضمن مُهلة رمزية يتم في نهايتها الاحتفال بتجديد العقد الموقّع قبل مئة عام، ليستأنف لبنان مسيرة البناء التي أسقطتها هيمنة الفساد والميليشيا على الدولة.

 

 

 

لقد استأنف اللبنانيين انتفاضتهم بقوة بعد التفجير الزلزال، في استمرار لانتفاضته المستمرة منذ 17 تشرين ، مُزَوداً بغضب عميق وشامل، وأملٍ متجدد بتحقيق تغييرٍ ما، غير أن قوى السلطة لا يبدو أنها استوعبت ما جرى.  وبدت أوساط واسعة الاطلاع حذرة في مقاربة المرحلة التالية في لبنان وسط مؤشرات واضحة إلى أن حكومة الوحدة الوطنية دونها مواقف معلنة رافضة من أطراف المعارضة وهو ما عبّر عنه بوضوح أمس كل من جعجع وجنبلاط، في حين أن مطلب الانتخابات النيابية المبكرة الذي أصرّ عليها هذان الفريقان كعنوانٍ للمرحلة المقبلة هو خط أحمر من الثنائي الشيعي حزب الله وبري وحتى من عون، وسط اعتبار هذه الأوساط أن المنحى التأنيبي لدياب على تَفَرُّده في هذا الطرح ولو من باب شراء الوقت لحكومته المترنّحة، أريد منه ان يكون رسالة واضحة بالواسطة للخصوم. وإذ تذكّر هذه الأوساط بصعوبة تَصَوُّر سير الولايات المتحدة بحكومة وحدة وطنية تعيد حزب الله إلى دائرة القرار، رغم الإيحاءات بانفراجاتٍ مرتقبة في ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل يبحثه ديفيد هيل في بيروت في الساعات المقبلة من ضمن بدء مسار مقايضاتٍ موْضعية ولكنها تنطوي على إشارات برسْم مجمل رقعة شطرنج الصراع في المنطقة، ترى أن صعوبةً لا تقلّ ثقلاً تبرز أمام تَصَوُّر قبول تحالف عون حزب الله بحكومة حيادية ستُفسَّر على أنها هزيمة وإقرار بفشل هذا التحالف الذي يقبض على الغالبية النيابية.

 

 

وفي حين ترى الأوساط نفسها أن مجمل هذه الوقائع تجعل المرحلة المقبلة محفوفة بالغموض الكبير وما قد تخبئه الأيام من قطب مخفية أو استقطابات حادة في المشهد اللبناني الذي لا يحتمل فوضى سياسية ومؤسساتية هو الذي يصارع الأزمة المالية الأصلية ويحتاج لحد أنى من الاستقرار للاستفادة من مفاعيل جسور الدعم الإغاثي المفتوحة للشعب اللبناني، لم تستبعد بعض الدوائر أن تكون الاستقالة الاضطرارية لدياب، والتي بقيت حتى ربع الساعة الأخير رهن اتصالات مكوكية صُوِّرت على أنها لترتيب مخارج تفرْملها، من باب استيعاب الصدمة أو امتصاص نقمة الغضب على السلطة وتالياً التمهيد لفترة طويلة من تصريف الأعمال قد تشهد تعقيدات تبدأ حتى من تكليف رئيس الحكومة الجديد الذي سيكون اختياره رهْن شكل الحكومة والتفاهم الصعب على مجمل المرحلة التالية.