الوضع في لبنان قبل زلزال بيروت كان يتجه نحو الانهيار الكبير، فكيف بالحري بعد هذا الزلزال الذي سيسرِّع في وتيرة الانهيار على وَقع غضب شعبي فقد كل ثقة بالسلطة التي فقدت بدورها ما تبقى لها من هيبة، وفي أوضاع من هذا النوع يصبح السقوط المدوي وارداً في كل لحظة. الفارق الأساس بين مرحلة ما قبل الانفجار وبعده انّ المجتمع الدولي كان يكتفي بالتحذير من مغبّة السقوط في حال عدم الإقدام على الإصلاحات المطلوبة، فيما بعد الانفجار تحرّك هذا المجتمع من الباب الإنساني لمساعدة اللبنانيين على الخروج من الكارثة التي حلّت بهم، ولكن قوة الانفجار وعَصفه جعلتا الدول الكبرى تعيد اهتمامها بهذا البلد والبحث عن تسوية تعيد له استقراره المالي والسياسي، والتجربة المماثلة في الحالة اللبنانية كانت مع حرب «التحرير» التي افتعلها العماد ميشال عون في العام 1989 ودفعت المجتمع الدولي إلى فصل لبنان عن أزمة المنطقة من خلال رعاية الحلّ اللبناني في اتفاق الطائف.

 

وهذا لا يعني انّ المحاولة ستكون مضمونة النتائج، إلّا انّ جوهرها يرتكز على تسوية انتقالية لا نهائية تُبقي لبنان مستقراً بانتظار ان تتبلور التسوية في المنطقة، لأنه من دون هذه التسوية الانتقالية سينزلق لبنان نحو الفوضى. ولكن ما قيمة أي اتفاق «دوحة» بحلة جديدة إذا كانت الإشكالية الأساسية المتصلة بسلاح «حزب الله» لم تجد طريقها إلى الحل؟ حيث انّ الحزب طبّق ما يناسبه من هذا الاتفاق وتجاهَل ما لا يناسبه، وكل النصوص حول دور الدولة بقيت حبراً على ورق.

   

ولا شك انّ الطرف المستفيد اليوم من أي تدخّل دولي لتسوية انتقالية ومرحلية هو الفريق الحاكم، لأنّ تسوية من هذا النوع تؤدي إلى إنقاذه من سقوط مُدوّ ومسؤولية مباشرة عليه، لا سيما انّ قدرته على الخروج من الأزمة توازي صفراً، وكل عوامل الانهيار تتدافع ولا فرصة لأيّ حلّ سوى من خلال فك الحصار الدولي عن لبنان. وبالتالي، من مصلحته المباشرة، البحث عن تسوية تضمن عدم سقوط الدولة التي يتلطّى خلفها تنفيذاً لمشروعه، ولكن أين مصلحة الفريق الآخر في لبنان في أي تسوية انتقالية قد تتحوّل إلى دائمة؟

 

وإذا كانت قوة الانفجار قد وضعت لبنان أولوية لدى الرئيس الفرنسي الذي سارعَ إلى زيارة بيروت مُعبّراً عن تضامن فعلي وحقيقي وخشية على هذا البلد أكثر من بعض أبنائه، وإذا كانت زيارته هي للتضامن حصراً ولم يحمل معه أي ورقة عمل سياسية خلافاً لِما روِّج، بدليل انّ وزير خارجيته كان قبل أسبوع في لبنان ولم يطرح اي فكرة خارج إطار التذكير بأن لا مساعدات من دون إصلاحات، والتحذير من مغبّة مواصلة السلوك نفسه الذي سيقود إلى الانهيار الحتمي، إلّا انّ أوساطاً سياسية أبدت خشيتها من ان يقود فائض التعاطف إلى تمديد الأزمة بأشكال مختلفة بدلاً من البحث عن الحلول الجذرية المطلوبة.

 

وعلى رغم انّ زيارته التعاطفية لم تخرج عن سياق السياسة المتّبعة دولياً إزاء لبنان، إن في محطتها الشعبية في الجميزة ومار مخايل، والتي عبّر فيها عن صدق مشاعره حيال اللبنانيين، او في محطتها الرسمية التي كرر فيها اللازمة الدولية بأن لا مساعدات للبنان من دون إصلاحات، وحتى المساعدات الإنسانية ستمنح لمنظمات غير حكومية بفِعل فقدان عامل الثقة بالحكومة، أو في محطتها مع رؤساء الكتل والأحزاب التي كان فيها مستمعاً ومتسائلاً عن الأسباب التي لا تحول إلى التفكير بممارسة سياسية مختلفة تعيد انتظام الوضع اللبناني، إلّا أنّ التمايز الفرنسي ولو الشَكلي عن السياسة الأميركية، والذي يعكس في مكان ما نوعاً من توزيع أدوار لجهة عدم قطع باريس مع طهران وحارة حريك في لبنان، يجب مواكبته مع واشنطن وباريس والرياض والقاهرة من جهة، وبين القوى السيادية من جهة أخرى، وذلك قطعاً للطريق على أي «دوحة» جديد.

   

فالمشكلة ليست في الجانب التمثيلي لـ»حزب الله» الذي لا تشكيك فيه، ولكن كل المشكلة هي في سلاحه ودوره، وأي تسوية لا تعالج مسألة السلاح لا تؤدي فقط إلى تمديد الأزمة، إنما تحرم اللبنانيين من فرصة حقيقية بقيام دولة للمرة الأولى منذ عقود، لأنّ كل عوامل إنهاء الأزمة اللبنانية متوافرة مع وصول مشروع «حزب الله» إلى الحائط المسدود: حصار خارجي، إنهيار داخلي وغضب شعبي زاد من حدته الانفجار-الزلزال الذي سببه الأساس ليس الإهمال الإداري، إنما غياب منطق المؤسسات المغيّب بفِعل تغييب الدولة.

 

فمشروع الحزب في مأزق كبير جداً اليوم، وقد أصبح أمام احتمالين: إمّا تسوية حقيقية تعيد ما للدولة للدولة، او الانفجار الشعبي والاجتماعي الذي سيقود إلى الفوضى، وعلى رغم انّ أحداً لا يريد إعادة البلاد إلى ما قبل العام 1990، ولكن مشروع الحزب هو الذي أوصَل البلد إلى الإفلاس والفشل، كما انه من الجريمة بمكان تفويت فرصة تسوية فعلية بالترقيع الذي سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى الوصول للنتيجة الحالية نفسها.

 

فالتعاطف مع لبنان الانسان مطلوب في كل زمان ومكان، ولكن التعاطف مع لبنان الدولة يجب ان يكون وفق شروط صارمة دوليّاً. وبالتالي، أي تسوية انتقالية بحكومة جديدة يجب ان ترفض في مهدها، لأنّ الحزب يبحث عن تسوية مرحلية من هذا النوع يتجاوز فيها قطوع سقوط مشروعه ويترقّب معها على البارد نتائج الانتخابات الأميركية وما سيؤول إليه المشروع الأميركي في المنطقة، فيما البحث يجب ان يكون حول تسوية نهائية، ولا يجوز للحزب الذي هو في موقع ضعف ومحاصر دولياً ومالياً وشعبياً أن يخرج من هذه الأزمة بشروطه وليس بشروط الدولة.

 

فاتفاق الطائف لم يولد إلا نتيجة انسداد الأفق في الداخل وسعي الخارج لإنهاء الأزمة اللبنانية، والتسويات لا تبرم إلّا على الساخن وبعد وصول الأزمات إلى أفق مسدود وخطير، فيصبح الطرف الداخلي بحاجة لحل وعلى استعداد للتجاوب مع المساعي الخارجية. وبالتالي، الحلّ هذه المرة لا يجب ان يكون بحكومة ولا بغيرها، إنما عن طريق توظيف الاهتمام الدولي على أثر الزلزال الذي ضرب بيروت بما يخدم مشروع الدولة لا مشروع الحزب الذي لا يريد فصل التسوية في لبنان عن التسوية مع إيران في المنطقة، وجُلّ ما يريده تمرير العاصفة الخارجية وتجاوز السقوط الداخلي، فينحني على غرار ما فعل في العام 2005 مع خروج الجيش السوري بانتظار الظروف التي تمكّنه من قلب الطاولة مجدداً.

 

إنّ لبنان أمام فرصة تاريخية على رغم المأساة الأخيرة، والفرص لا تولد إلّا من المآسي، وذلك مع تقاطع الفشل الداخلي والاقتراب من السقوط المدوّي للدولة مع الاهتمام الخارجي. ولكن إمّا ان يُصار إلى فصل لبنان عن إيران بتحييده وتثبيت مشروع الدولة الذي يصب في مصلحة جميع اللبنانيين، وإمّا ترك الفريق الآخر «يقلّع شوكه بإيده»، ويتحمّل مسؤولية تفجير لبنان.