لم يستعد لبنان بعد، وعي ما بعد الصدمة. كثير من الوقت يلزم لإعادة ترتيب المشهد الذي شكّل ذروة الصراع مع العبث الوطني المستمر منذ سنوات طويلة. ما حدث بلحظة واحدة، شاهد فيها اللبنانيون عاصمتهم تنهار في صورة مصغّرة من «هيروشيما»، يكاد العقل لا يستطيع ان يستوعبه. لا ينطبق فقط ذلك على اللحظة التي ستظل مستقرّة بكل تفاصيلها الوجدانية في اللاوعي الجماعي، وإنما على ما بعد اللحظة نفسها، بكل ما تنطوي على سيناريوهات مستقبلية باتت تلوح في الأفق منذ اللحظات الأولى لما بعد التفجير الكبير.

 

تلاشى دخان الأمونيا عن سماء بيروت، ولكنه ما زال يحوم فوق المشهد السياسي، الذي بات مفتوحاً على كل الاحتمالات، وهو ما بات ممكناً رصده في كافة التحركات السياسية داخلياً وخارجياً، وامتداداتها في الشارع الذي يزاوج بين شعور الصدمة والاحباط، وبين شعور الغضب الذي بدأ يُترجم في ساحات الاحتجاج منذ يوم أمس الاول السبت.

   

ثمة نقطة أساسية لا شك أنّها ستشكّل المدخل الفعلي لاستشراف المستقبل، وهي تتمحور حول سؤال بسيط ومعقّد في آنٍ معاً: هل كانت الكارثة قضاءً فاسداً وقدراً أسود، أم تمت بفعل فاعل؟

 

السؤال هو من المؤكّد هامشي لدى المفجوعين بخسارة أحبائهم وتدمير مدينتهم، ولكنه سرعان ما سيصبح جوهرياً، حين تتقاطع الكارثة نفسها مع تداعياتها السياسية اللاحقة، والتي قد تكون أكثر كارثية من الانفجار نفسه.

 

أياً تكن الحال، فإنّ «11 أيلول اللبناني» قد ادخل البلاد في منعطف جديد، فما بعده لن يكون بالتأكيد كما قبله.

 

على أقل تقدير، فإنّ ما حدث كشف بأفظع شكل ممكن الطابع الجرمي لنظام الفساد اللبناني، الذي كان حتى الأمس القريب قادراً على التفلت من المحاسبة، طالما أنّه كان ينتهج اسلوب القتل البطيء للشعب اللبناني، وها هي اليوم تنتقل إلى القتل الجماعي والدمار الشامل.

 

حتى مكان الكارثة، وامتداداتها، يبدو معبّراً في هذا الإطار. إنّه مرفأ بيروت، أو «مغارة علي بابا» النظام اللبناني، وبجواره مغارة أخرى، هي شركة كهرباء لبنان، وامتداداً منطقة «سوليدير»، رمز المنظومة الفاسدة نفسها، مهما تغيّرت وجوهها، منذ العام 1992.

   

ما سبق وحده يكفي للقول إنّ كارثة بيروت لن تمرّ كغيرها، ولن تنفع معها محاولات «اللفلفة» اللبنانية الشهيرة لكل جرائم الفساد في البلاد. ثمة محاسبة يطلبها الجميع، وحتى الفاسدون انفسهم لا يستطيعون اليوم إلاّ أن يستجيبوا لها، مهما حاولوا التملّص من الجريمة أو اخفاءها في سراديب الصراعات السياسية.

 

الكل شريك في هذه الجريمة، ولا احد قادراً اليوم على القول إنّه ليس معنياً بها. إنّها جريمة مستمرة في الزمان لسبع سنوات، أو بالمعنى السياسي لخمس حكومات انضوت فيها كل قوى المنظومة اللبنانية: حكومة لون واحد برئاسة نجيب ميقاتي، ثلاث حكومات شراكة وطنية برئاسة تمام سلام وسعد الحريري، وحكومة تكنوقراط مشوّهة برئاسة حسان دياب.

 

الكل، ومن دون استثناء شركاء، أقلّه في تحمّل المسؤولية المعنوية، والكل يهربون الى الامام من خلفية الكيد والاستثمار السياسي، الذي لا هو في زمانه ولا في مكانه؛ كثيرون توقفوا عند «الاتهامات الجاهزة» لطرف معين، وحتى قبل انبلاج دخان الانفجار، وقبل الشروع في التحقيق، وكثيرون ايضاً، توقفوا عند ردّ الامين لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله على «الافتراءات الظالمة» التي طالت الحزب، وقوله: «إننا نعلم ما يجري في مرفأ حيفا أكثر مما نعلم ما يجري في مرفأ بيروت»، كان هؤلاء يأملون لو انّ السيد، كشف ما يمتلك من أوراق - كتلك التي لطالما تحدث عنها النائب حسن فضل الله - والكشف بكل جرأة وصراحة عن هوية المسؤولين عن الجريمة الوطنية، سواء اكانوا حلفاء أوخصوماً.

 

قد يكون السيد نصرالله قد اراد نزع فتيل التفجير السياسي، وهو ما رمى اليه بالفعل حين قال، إنّ الوقت ليس لتصفية الحسابات، ومع ذلك فإنّ البلاد تحتاج اليوم إلى بناء الثقة الداخلية أكثر من أي شيء آخر، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق إلّا من خلال محاسبة المسؤولين عن الجريمة الكبرى، كمدخل لمحاسبة ما عداها من جرائم الفساد.

 

ما سبق يتوقف عند جدّية التحقيقات، وما ستخرج به من معطيات، لا سيما أنّ أمراً كهذا لا تقتصر مفاعيله على بناء الثقة المفقودة في الداخل، وانما في تحديد الوجهة التي يسلكها لبنان في المنعطف الخطير الذي يقف عنده اليوم، والذي يتقاطع عنده فساد الداخل بتوجهات الخارج بدرجة غير مسبوقة على الإطلاق.

 

بمعنى آخر، إذا ما ثبتت نظرية «بفعل فاعل»، وعلى الأرجح أن يكون هذا «الفاعل» خارجياً، يمكن افتراض أنّ ثمة نية مبيّتة خارجياً لتغيير الموازين في لبنان، وربما شكل النظام الساسي، بخطة معدّة سلفاً.

 

أما في حال ثبتت نظرية الفساد - وهي الأكثر ترجيحاً حتى اللحظة - فالأمر قد يكون مختلفاً، فالمجتمع الدولي سيكون متلقفاً هذه المرّة للحظة المفصلية لكي يتعامل معها وفق نمط مجهول الآفاق، وهو ما قد يفسّر المِهَل الزمنية التي بدأت تُعطى للبنان من الخارج، والتي عبّر عنها ايمانويل ماكرون في زيارته البيروتية الصاخبة.

   

عند هذه النقطة، يُفترض أنّ المهل الزمنية ستقتصر في آليات تحرّك الخارج تجاه لبنان على تنسيق المساعدات الانسانية، بما يجعل مؤتمر باريس لا يرقى إلى أن يوصف بـ»مؤتمر للمانحين»، طالما أنّ المجتمع الدولي يتعامل مع الدولة اللبنانية كدولة فاشلة، وليس أقل مما حدث في بيروت دلالة على ذلك.

 

ما سبق، يفترض أن يتمظهر بشكل أولي حين تخرج اولى المواقف والتسريبات من مؤتمر باريس، وإن كان الرئيس الفرنسي قد وضع السياق العام للتحرك الدولي - الذي سيكون فرنسياً بالدرجة الأولى وبغطاء أميركي - حين خيّر القوى السياسية في لبنان بين «تغيير النظام» و»العقد السياسي الجديد».

 

هذا التخيير يفسّر ما بدأ يشهده لبنان حين بدأت الصدمة الأولى للكارثة تتراجع تدريجياً، إن على المستوى السياسي، الذي يتمثل في سلسلة الاستقالات من البرلمان والحكومة، أو على مستوى الشارع الذي انفجر بالأمس بنمط أكثر خطورة مما سبق.

 

بذلك، يمكن افتراض أنّ الشهر المقبل سيكون أكثر الفترات السياسية مفصلية في لبنان، أقلّه منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فخلاله ستتقاطع كل التناقضات الداخلية والخارجية، ومعها كل المغامرات والرهانات، لتصل إلى نتيجة من اثنتين: إما اعادة ترميم المنظومة الحاكمة برعاية دولية مباشرة هذه المرّة، على النحو الذي يشبه ما حدث بعد اغتيال الحريري، في سياق ما عُرف حينها بالتحالف الرباعي، بما يشمل اصلاحات مفروضة من الخارج... وإما ان الذهاب نحو الفوضى الشاملة، التي كانت متوقعة بالأمس في ساحة الشهداء، وامتداداً إلى وزارة الخارجية في قصر بسترس، ووزارة الطاقة في كورنيش النهر، ووزارة الاقتصاد وجمعية المصارف في وسط بيروت، «البروفة» الأولية لها.