لبنان بعد حادثة المرفأ ليس ما قبله، كثيرون من اللبنانيين سيتذكرون هذا اليوم دائما وربما سيكون حدثا بارزا في تاريخ لبنان بالنظر إلى حجم هذه الكارثة وتداعياتها على كل الأصعدة. في المشهد العام وحسب المعطيات الامنية والسياسية وحسب خبراء في الداخل والخارج أن ثمة اعتداء اسرائيلي واضح وفاضح تعرض له لبنان وهو لا ينفصل بأي شكل من الاشكال عما يجري من أحداث مماثلة في إيران والربط بين الأمرين ليس من نسج الخيال ولا هو ناتج عن تحليل بقدر ما هو قراءة مفصلة في دائرة الصراع الايراني الاميركي في المنطقة التي يعتبر لبنان أحد أهم ساحاتها لما يمثله لبنان من عمق استراتيجي لإيران وحليفها الأبرز حزب الله الذي يعتبر أحد أهم الأذرع الإيرانية في المنطقة.

 

 

إن اتهام العدو الاسرائيلي بالإعتداء على المرفأ ليس عبثيا بل بات أمرا واضحا ومعلوما لدى الدولة وأجهزتها وأحزابها، بالرغم من إصرار هذه السلطة ومن وراءها على استبعاد فرضية هذا الاعتداء واعتماد سياسة الغموض والتعمية لأسباب وغايات ليست واضحة بعد، في وقت كان حريا بهذه السلطة أن تتحمل مسؤولياتها بجدارة وتعلن بالفم الملآن أن ما حدث هو عدوان اسرائيلي فاضح وصارخ وتذهب فورا بشكوى عاجلة إلى مجلس الامن الدولي وتسعى مع المجتمع الدولي إلى تحصيل الادانة المطلوبة، لأن ما حصل هو اعتداء على لبنان والشعب اللبناني وأحد أهم المرافق الحيوية للدولة اللبنانية.

 

 

تراكم الإهمال في مؤسسات الدولة لا سيما في مرفأ بيروت وسوء تخزين هذه المادة على خطورتها وسوء الادارة قد يكون سببا رئيسيا لتطور هذه الكارثة وهو أمر تتحمل مسؤوليته السلطة وأدواتها الإدارية وهي مدعوة للمحاسبة بعيدا عن المزايدات والتمييع لكشف كل الملابسات المتعلقة بهذه الحادثة وكشف المسؤولين عنها دون استثناء سواء كانوا في الادارات الرسمية أو من قوى الأمر الواقع التي تفرض سطوتها الحزبية على المرفأ وتستخدمه في سياق أهدافها الخاصة،  لذا فإن سياسة الهروب من المسؤولية وسياسة الهروب إلى الأمام بتشكيل لجنة تحقيق وتقاذف المسؤوليات واعتبار هذه الكارثة نتيجة إهمال أو تقصير هو ذرّ للرماد في العيون فيما بات كل اللبنانيين يعرفون أن هذه السلطة تكذب وأن ما حصل هو أكبر بكثير من مجرد إهمال وأن ما حصل هو حرب بكل ما للكلمة من معنى، هي الحرب نفسها التي بدأت فصولها في إيران ووصلت إلى لبنان ضمن سلسلة واضحة ومعروفة قد لا تنتهي بمرفأ بيروت وحده.

 

 

أمام هذا الواقع آن الأوان لتحييد لبنان عن أتون الصراعات الاقليمية والدولية وآن الأوان لإخراج لبنان مما يسمى بثقافة "تصدير الثورة" والابتعاد عن مصادرة خيارات اللبنانيين والتوجه فورا إلى اعتبار لبنان دولة حرة مستقلة ذات سيادة، دولة خارج المحاور والصراعات التي قصمت ظهر لبنان وما زالت وإن هذا الاعتداء الاسرائيلي الفاضح هو بلا شك أولى هذه التداعيات. 

 

حزب الله اليوم يمسك بالقرار السياسي للسلطة اللبنانية ويمسك بما هو أبعد من القرار السياسي أي ما يتصل بقرارات الحرب والسلم وهو المعني بما حصل، وما حصل هو رسالة واضحة وصريحة للحزب قبل غيره وبالتالي فإنه قد حان الوقت ليستخدم الحزب دبلوماسيته بعيدا عن لغة التهديدات والصواريخ، وبعيدا عن لغة الشعارات، وإننا كلبنانيين أمام ضرورة ملحة للغة العقل وانجاز التسويات لنحافظ على بلدنا وكياننا لبنان من خلال حوار شامل يشارك فيه جميع اللبنانيين لصياغة الرؤى والافكار التي تؤدي بلبنان إلى بر الأمان. 

 

لقد ألمح الرئيس الفرنسي في زيارته اليوم والتي تأتي عن قصد في هذه اللحظة الحاسمة وهو لم يات بمبادرة شخصية فقط بل  بتفويض دولي أميركي أوروبي وحتى عربي أيضا، وما حمله ماكرون بعيدا عن المجاملات والعواطف ألمح بشكل واضح وصريح  إلى أننا أمام تسوية جديدة تتعلق بالشأن اللبناني وعلى مختلف المستويات وقد اجتمع لهذه الغاية مع كافة المكونات الحزبية والسياسية على الساحة اللبنانية بما فيهم حزب الله ما يعني أننا أمام مسؤولية وطينة كبرى في الاستجابة إلى إحداث تطور إيجابي ونوعي ينقذ لبنان من الأسوأ ويعيد إنتاج السلطة السياسية الديمقراطية التي يطمح إليها اللبنانيون.