الجانب الأساس للأزمات اللبنانية هو من طبيعة خارجية، وهذا لا يعني تبرئة الداخل من دوره في هذه الأزمات، إنما مجرد تعطيل الدور الخارجي أو التفاهم معه يؤدي إلى قطع الأوكسجين أو المبرر والذريعة لتماهي الداخل مع هذا الخارج.

لم تنجح التجربة اللبنانية منذ انطلاقتها في توحيد اللبنانيين حول نهائية المشروع اللبناني، بل بقيت كل مجموعة مشدودة إلى مشاريعها التي تتراوح بين تذويب لبنان في قضايا أكبر منه، وبين تَصغيره منعاً لتذويبه في غياب الانتماء إلى لبنان، وفِي كل مرة خرجت فيها دولة إقليمية باحثة عن دور إقليمي يتجاوز حدودها وجدت في لبنان أرضاً خصبة لتطلعاتها.

 

وعندما تَصدّرت معادلة «لا شرق ولا غرب» ميثاق العام 1943 وكانت تعبيراً عن فهم عميق ودقيق للتركيبة اللبنانية التعددية التي لا تستقيم من دون حياد، بدليل انه في كل مرة سقط فيها الحياد سقط الاستقرار، فإنّ فرنسا كانت قد خرجت وأخرجت نفسها من سياسة النفوذ والتأثير والتدخُّل، والسلطنة العثمانية لم تعد موجودة ولم يكن قد برز بعد البديل عنها بدور إقليمي، فشهدت انطلاقة الجمهورية استقراراً قلّ نظيره. ولكن مع صعود نجم الرئيس عبد الناصر اهتزّت التركيبة اللبنانية وسقط الحياد، فكانت حوادث العام 1958 قبل ان يرسي الرئيس فؤاد شهاب تفاهماً مع عبد الناصر، إنما سرعان ما سقط هذا الحياد مجدداً مع اتفاق القاهرة في العام 1969 و»فتح لاند»، واستمر هذا الوضع مع «أبو عمار» ومن ثم «أبو باسل» وصولاً إلى «أبو هادي».

   

ووفقاً للتجربة التاريخية فإنّ سقوط الحياد يبدأ من الخارج إلى الداخل الجاهز دوماً للتفاعل والربط مع هذا الخارج، إمّا لاعتبارات سلطوية باستغلال النفوذ والدور الخارجيين لتعديل موازين القوى الداخلية لمصلحته على حساب الآخرين، وإمّا لأسباب عقائدية وأديولوجية ودينية، وإمّا الإثنين معاً، ما يعني استحالة التوافق داخليّاً على الحياد سوى في حال انتفاء العوامل الخارجية، وفي الحالة الراهنة المتمثِّلة بـ»حزب الله» فلن يتراجع عن دوره الإقليمي ولا عن سلاحه ولا عن إبقاء لبنان ساحة رسائل ساخنة وباردة لإيران ما لم تتراجع الأخيرة عن أدوارها الإقليمية او أن تعدِّل بهذه الأدوار من أمني وعسكري إلى سياسي، لأنّ الحزب ليس مستقلاً بقراره، وحتى لو كان مستقلاً إنما يشكل جزءاً لا يتجزّأ من المنظومة الإيرانية ببُعديها الديني والسياسي، والأولوية الإيرانية تتقدّم عند الحزب على الأولوية اللبنانية، ولذلك لا يجب ان يكون هناك من أوهام على هذا المستوى، فأيّ بحث جدي يبدأ من طهران لا الضاحية الجنوبية.

 

وهذا لا يعني أيضاً انه على الداخل ان يبقى مكتوف الأيدي بانتظار نهاية الكباش الأميركي-الإيراني، لأنه على الداخل ان يتحمّل مسؤولياته في قضية هو المعني بها مباشرة، خصوصاً انّ الانهيار وصل إلى حد يُنذر ليس فقط بسقوط هيكل الدولة على خطورته، إنما بانهيار كل المؤسسات والقطاعات ودخول البلد في تجربة لا مثيل لها حتى في عزّ الحرب الأهلية، ولكن ما لم يقطع حبل السُرّة بين طهران والحزب عبثاً الوصول إلى النتيجة المتوخّاة، لأنّ الأخير لن يسلِّم أوراقه حبياً ولا سلمياً، ولن يتراجع تحت عنوان المصلحة الوطنية والأولوية اللبنانية، بل سيتعامل معها كمؤامرة ضد المحور الذي ينتمي إليه وسيكون على استعداد لإشعال البلد قطعاً للطريق على محاولات إسقاط الورقة الإيرانية في لبنان.

 

فلا الولايات المتحدة، ولا غيرها، سترسل قواتها لمواجهة «حزب الله»، ولا إصدار قرار دولي سيكون قابلاً للتنفيذ، بل سيكون مصيره كالقرارات الأخرى وفي طليعتها 1559 و1701، إنما من دون شك قرارات من هذا النوع تحفظ حق لبنان دولياً ولو بعد سنوات وعقود، وتقيم ربطاً فعلياً للنزاع، إنما سيواجه لبنان وضعاً مثيلاً للوضع السوري، وفي أفضل الأحوال العود على بدء باستنساخ المواجهة بين 8 و14 آذار.

 

فالدينامية التي أطلقها البطريرك الراعي تحت عنوان حياد لبنان مطلوب استمرارها كونها خشبة الخلاص الوحيدة للبنان، إنما عن طريق تحويلها إلى عنوان حواري لا صدامي، وتهيئة المناخات الداخلية المواتية لنقاش في عمق الأزمة اللبنانية وجوهرها، والربط مع الخارج من أجل الالتقاء في اللحظة المطلوبة تماماً كما حصل مع القرار 1559 وانسحاب الجيش السوري من لبنان.

 

ويخطئ كل من يعتبر انّ الحلّ يكون باللبننة او عبر تدويل المسألة اللبنانية فقط، ويكفي الارتكاز إلى التجارب الموجودة من سوريا إلى اليمن وما بينهما العراق لتبيان عدم جدوى الرهان على التدخُّل الفوري والسريع لإنهاء الأزمة اللبنانية وفصلها عن الإقليم وفرض الحياد بالقوة، فيما الحلّ الحقيقي والنهائي والثابت يكون بالاتفاق الأميركي مع طهران او بإرغامها على التخلي عن دورها الإقليمي، وخلاف ذلك يعني سَورنة لبنان وتسخين الجبهة الداخلية والعودة إلى الانقسام العمودي.

 

وما تقدّم ليس تسليماً بالأمر الواقع، إنما هو تصوير لهذا الواقع على حقيقته بعيداً عن الأوهام، لأنّ «حزب الله» ما زال يملك القوة الكافية التي تتيح له مواجهة أي محاولة لنزع سلاحه بالقوة او فرض شروط سياسية عليه، وسيكون على استعداد لتحويل لبنان إلى أرض محروقة، خصوصاً انّ الخناق يضيق عليه إقليمياً وداخلياً بدءاً من الأزمة المالية والعقوبات والغضب الشعبي، وصولاً إلى المحكمة الدولية ومراجعة مهمة اليونيفل وترسيم الحدود. وبالتالي، الطريق الأسلَم في هذه المرحلة يكمن في تَجنُّب الاصطفاف والانقسام السياسيين، وتوفير أوسع قاعدة وطنية لطرح البطريرك، أي بما يتجاوز 14 آذار إلى الثورة وكل القطاعات الحيوية المتضررة مما آلت إليه الأوضاع في البلد، وبما يُهيّئ الأرضية الداخلية بانتظار أن تستوي الطبخة الإقليمية التي شارفت على الانتهاء، لأن لا حاجة لإقحام لبنان في حروب لا طائل منها باعتبار انّ مفتاح الحلّ في نهاية المطاف خارجي لا داخلي.

 

وتهيئة الأرضية الداخلية يكون بنقاش هادئ ورصين تحت عنوان مصلحة اللبنانيين أولاً وأخيراً بين مشروع سياسي أدى إلى انهيار لبنان وإفلاسه، وبين مشروع خلاصي وإنقاذي ليس مُستلهماً من اي تجربة أخرى، ولا غريباً عن التجربة اللبنانية، إنما يشكل جزءاً لا يتجزأ من تجربته التاريخية التي أدى الالتزام بها في محطات تاريخية إلى ازدهاره وتطوّره وعمرانه، فيما الخروج عن هذه الثوابت أدى إلى ما أدى إليه من فشل وفقر وتعتير.

 

فلن يبصر الحياد النور داخلياً وبأدوات داخلية وأممية، ولا يكفي إعلان دولي بحياد لبنان عبر استلهام التجربة السويسرية أو النمسوية او غيرها، لأنّ لكل تجربة خصوصيتها وفرادتها، إنما يبصر الحياد النور عن طريق الاتفاق الأميركي-الإيراني القاضي بتعديل وتغيير الدور الإيراني في المنطقة، وبالانتظار يجب التعامل مع التطورات بحكمة وعقلانية من أجل اجتياز الأمتار القليلة المتبقية بأقل خسائر ممكنة.