من المطلوب أن يعمل لبنان وبشكل جدي على تصحيح علاقاته مع محيطه العربي لانه لم يعد يمتلك أبسط المقومات الأساسية المتعارف عليها لتسميته دولة، ولا شيء ينفع كحلٍّ ما لم ترحل كلّ التركيبة الفاسدة بكلّ أشكالها ورموزها .
 

تاريخياً كان لبنان يشكل المدرسة والجامعة والمستشفى والمصرف للعديد من الدول العربية وكان محل اهتمام دول الخليج العربي، وهذه الدول ما قصرت يوماً في دعمه وتوفير مقومات الصمود له في الحروب التي واجهها في الماضي، كما أنها استمرت على نفس الموقف عندما استعاد سلمه الأهلي واستقراره، لا بل أنها تعهدت في الوقوف إلى جانبه حتى يتعافي بالكامل، ويلعب دوره الطبيعي إلى جانب أشقائه العرب وأصدقائه في العالم. وقد برهنت الدول الخليجية وفي الطليعة المملكة العربية السعودية والكويت وغيرهما من الدول عن صدق هذا التوجه الذي ترجم في محطات عديدة، كما كان لهم الفضل ، في وقف الحرب الاهلية حيث توج ذلك باتفاق الطائف ، إيماناً من هذه الدول بأهمية دور لبنان الرائد في المنطقة، كبلد صاحب رسالة سلام وفكر وحضارة في محيطه والعالم. وهذا ما تبدى من إحاطته من جانب الدول العربية والصديقة، بالرعاية والاهتمام وتقديم الدعم الذي يحتاجه على مختلف الاصعدة .

 

  وقد استمرت هذه الحال حتى أمد قريب، قبل أن يظهر بوضوح أن التعامل الخليجي مع لبنان قد تغيّر، وباتت المسافة مع هذا المستجد، أبعد بين لبنان والعواصم العربيةعموماً والخليجية خصوصاً، بعدما كانت أقرب من غيرها، بالنظر إلى العلاقات المميزة التي تجمع بين الطرفين. ولم تنجح السلطة الحاكمة في إصلاح مكامن الخلل في هذه العلاقات، رغم الفرص التي سنحت له، لكنها كانت كلها تضيع في بحر المصالح الضيقة لهذا الطرف أو ذاك، بعدما بدا أن هناك من لا يريد للعلاقات اللبنانية الخليجية أن تتحسن، بدليل أن هناك من استخدم لبنان منصة لإطلاق الاتهامات ضد دول مجلس التعاون، وهذا الأمر فاقم بالتأكيد من حدة الأزمة التي لا زالت مفتوحة مع الدول الخليجية، وباعد المسافة أكثر فأكثر بين ولبنان وأشقائه . 

 

 

والآن عندما وقع لبنان بالمحظور الاقتصادي والمالي، لم يجد من يقف إلى جانبه لإنقاذه من هذا المأزق الذي يتهدده بالأسوأ، بعد الاستياء الخليجي من سياسته الخارجية التي غلبت المصالح الإقليمية على حساب المصالح العربية ، رغم التفهم الذي تبديه دول مجلس التعاون لحاجات لبنان. وهذا ما ينطبق على زيارة الموفد الشخصي لرئيس الجمهورية ميشال عون إلى الكويت، المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي نقل رسالة شخصية من الرئيس عون إلى أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح . 

 

واستناداً إلى المعلومات المتوافرة من أوساط سياسية كويتية، فإن المسؤولين الكويتيين أكدوا للواء إبراهيم أن الكويت تقدر الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، خاصة على الصعيدين الاقتصادي والمالي، وبالتالي فهي ستدرس مع الجانب اللبناني في المرحلة المقبلة، وسائل مساعدته لإخراجه من هذا المأزق، لكن دون أن تكون هناك مساعدات فورية نتيجة هذه الزيارة، دون أن يخفي المسؤولون أن هناك ملاحظات من جانب السلطات الكويتية، كما هي الحال بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، على أداء الدبلوماسية اللبنانية في السنوات الماضية، والذي لم يكن بالمستوى الذي كانت الكويت وشقيقاتها تأمله من الجانب اللبناني، ما ساهم في توجيه ضربة موجعة للعلاقات اللبنانية الكويتية، لم تستطع السلطات اللبنانية حتى الآن إصلاحها، وتالياً في إعادة تصحيحها وتصويب مسارها . 

 

 

وتشير المعلومات، إلى أن أي مساعدات مالية كويتية ليست مطروحة على بساط البحث، وإذا كان هناك شيء من هذا القبيل، فإنه سيكون نتيجة تشاور مسبق مع المملكة العربية السعودية، في إطار التفاهمات القائمة ضمن مجلس التعاون الخليجي، ما يعكس موقفاً متحفظاً إذا صح التعبير، أقله في الوقت الحالي، إزاء الاستجابة لمطالب لبنان المالية، لافتة إلى أن الكويت والرياض لا تزالان تنتظران موقفاً لبنانياً، يفتح صفحة جديدة مع الدول الخليجية، تجيب عن الكثير من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها بعد، حيال الكثير من الملفات السياسية والأمنية التي ما زالت تشوب العلاقات بين الطرفين .

 

إقرأ أيضا : لبنان في عين العاصفة!!

 

 

واكثر من ذلك، فإن أي تطور على صعيد العلاقات بين لبنان والكويت، وما قد يواكبه من دعم مالي، لن يحصل برأي الأوساط، إلا بعد إحداث خرق في جدار العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وهو الأمر الذي لم يحدث لغاية الآن، باعتبار أن هذا الأمر مرتبط بقرار سياسي ليس جاهزاً في هذه المرحلة. 

 

في بلد تغيب عنه أبسط الحقوق الإنسانية للعيش وسط انهيار كامل للاقتصاد وسعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار وافلاسٍ حقيقي وغياب شبه تام للكهرباء والمياه والخدمات الضرورية و تفاقم أزمة النفايات والصرف الصحي، تطلّ حكومة حسان دياب التي ولدت من رحم الازمة من خلال وعود اصلاحية لا تزيح شبح المجاعة المحدقة بالبلد الا بالقدر الذي تدفع به نحو هاويةٍ لا قرار لها، في تواطؤ عجيب بين الرئاسات الثلاث التي كانت ولا زالت تكرس المحاصصة الطائفية واقتسام المصالح والاحتيال في سرقة ثروات البلد والتستر على الفاسدين، فيما تتبادل الأحزاب والقوى السياسية التهم وإلقاء اللوم فيما بينها الأمر الذي أدى لوصول الأمور الى ما وصلت إليه.

 

وأمام هذا الواقع المزري ، لم تعد حيل السلطة السياسية تنطلي على أحد لا في الداخل ولا في الخارج . 

 

اخيرا يجب الاقرار والاعتراف أن الحلول الترقيعية و التكتيكية  لم تعد تجد نفعًا لأنها وضعت لتعويم السلطة السياسية الفاسدة  ليس إلا. وعلى اللبنانينين أن يدركوا بأن لبنان مطلوب أن يعمل وبشكل جدي على تصحيح علاقاته مع محيطه العربي لانه لم يعد يمتلك أبسط المقومات الأساسية المتعارف عليها لتسميته دولة، ولا شيء ينفع كحلٍّ ما لم ترحل كلّ التركيبة الفاسدة بكلّ أشكالها ورموزها .