بالرغم من إضعاف دونالد ترامب للدبلوماسية الناعمة الأمريكية، بسببِ سياسته الخارجية الواضحة مع قضايا العالم، لكن هذه القوة واستخدام ادواتها لا تعني باننا امام حرب قادمة وانما اشهار سلاح الحرب من اجل الجلوس على الطاولة للتفاوض والسير بطرق النظام الدولي.
 

لم يعد المشهد السياسي  المرتبط بالتصعيد الامريكي الايراني مجرد ازمة عادية تستخدم فيها  الدعاية والتشهير  بين الدولتين ،بل تخطت الازمة كل تلك الحدود التي اصبحت بالنسبة لواشنطن ليست مجردة ازمة عابرة انما قضية حقيقية  لتأديب سلوك ايران بالطريقة التي تريدها امريكا .

 

فمن خلال الدبلوماسية الناعمة التي تنتهجها امريكا ضد طهران  تدل على ان الولايات المتحدة لا تريد خوض حرب ضدها او تغيير النظام وانما اعادتها الى حجمها الطبيعي في المنطقة ضمن مفهوم النظام الدولي الجديد التي لا تزال واشنطن تحدد توجهاته وتضع خططه المستقبلية من ناحية وبسبب وجودها العسكري الذي بات منتشرا في المنطقة مما وضعها في عين المواجهة من ناحية اخرى . لقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية القوة الناعمة بشكل كبير خلال أعوامٍ طويلة، وحققت نجاحات عديدة عن طريق استخدام هذه القوة مع ايران .

 

اذن واشنطن انتهجت دبلوماسية ناعمة منذ بداية الازمة النووية الى اخر نهاية اوباما الذي ابرما الاتفاق معها حيث بات التوجه الامريكي الجديد يعتمد مع بداية ترامب دبلوماسية خشنة . فالقوة الناعمة بحسب ما عرفها  البروفيسور جوزيف ناي هي القوة بشكلها العام  أي بإمكانية التأثير على الأخرين لتحقيق ما نريد" من خلال "العصى" أي الإرغام بالقوة، والجزرة" التأثير عليهم بالمال.  "القوة الناعمة" أي أن تجذبهم لصفك. فتسمى القوة الأولى والثانية بالقوة الصلبة، ولتشكل الثالثة القوة الناعمة، ليدمج قوةً أخرى وهي القوة الذكية، وهي تدمج بين القوة الصلبة والقوة الناعمة.  التي لها القدرة على التأثير على الأخرين من أجل تحقيق ما نريد عن طريق الإقناع وجذب الأخرين. 

 

لقد أشّعَل الرئيس  ترامب بسياسته الخاصة ، غضبَ حكومات كثيرة ومنها طهران ، فمنذ خطابه الرسمي الأول بعد توليه الرئاسة ظهرت لهجة واضحةً  وحازمة في سياسته في التعامل مع الدول المارقة ، ليتبعها بسياسة خارجية مُتشدد اتجاه العديد من الدول العالم، فيؤكد على أن مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية يجب أنّ تكون في المقدمة وفوق كلِ شيء، إنَّ سياسة ترامب الخارجية باتت أضعاف القوة الناعمة الأمريكية، التي  لمّ تكن جاذبة  للعديد بلّ كانت نافرةً للدولِ الأخرى، ليتجه نحو القوة الخشنة  التي باتت ينفذها  بشكل واضح من خلال العقوبات الاقتصادية التي تحمل انياب طويلة ومحكمة ضد الاعداء.

 

لقد بات من الضروري تفكيك الخوف الايراني الذي اصبح يشكل للأمريكي وللعالم عبء فعلي من خلال سياسة قوية جدية كما يبدو باتت تصل للأهداف المطروحة من قبل الادارة والتي توجت اخيرا بقانون قيصر لمحاربة طهران  واضعاف دورها في المنطقة .

 

فالإدارة الامريكية فهمت بوضوح بانها تستطيع اضعاف دور ايران من خلال توجهين اساسين الاول يقضي بتقليم اظافر  اجنحة ايران في المنطقة من خلال مجموعاتها واطرافها التي وضعتها الادارة على لائحة الارهاب لكونها مرتبطة بالحرس الثوري الايراني . والتوجه الثاني الحصار الاقتصادي المباشر على ايران وحلفاءها من حشدها الولائي  في مناطق انتشاره .

 

ومن خلال هذا التوجه الواضح لدى الادارة الامريكية ان كانت إدراة ترامب في الحكم او غيرها ، فان الدولة الامريكية  باتت تعلم جيد بان اضعاف ايران هو الهدف الاساسي والمباشر لها في الايام والشهور القادمة . فالولايات المتحدة تفتح قنوات الاتصال مع طهران وربما عُمان هي المكان الواضح الذي يتم فيها الحوار بين الطرفين لان الولايات المتحدة تريد جلب ايران على طاولة المفاوضات والزامها بشروط التفاوض المباشر من خلال الشروط المطروحة  وعملية تبادل الاسرى هي دليل واضح من قبل امريكي لا عطاء ثقة لإيران بان التفاوض هو البديل والحل للازمة الظاهرة في خليج العرب.

 

فاذا كانت ايران تعتمد في سياستها الاستراتيجية المواجهة في الاماكن التي تقل فيها الكلفة والصراع المباشر مع الولايات المتحدة لتقليل الكلفة في المواجهة  مع العدو  وايران لم تخض حرب مباشرة طول وجودها وانما فقط مع العراق التي كلفها تجرع السم ، بل كانت تقوم بالحرب  بالوكالة من خلال مجموعاتها واذرعها في المنطقة، اذا واشنطن باتت على يقين بان تفكيك قدرة ايران بات ضروري  لها وللمنطقة لكي ترتاح  . فاذا اخذنا مقاربة مماثلة فان الولايات المتحدة لم تحتفل بالانتصار في اوروبا لمجرد انهيار الاتحاد السوفياتي او المعسكر الاشتراكي بل عندما انهت نظام صربيا حيث كانت الدولة المعيقة في اوروبا .

 

كانت يوغسلافيا دولة مركبة من ثمانية دول ثم تفكيكها  بواسطة القوة والحروب الاهلية  نتيجة تركيب الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، فكانت البداية يوغسلافيا التي خاضت فيها صربيا حروبا بشعة  ضد  سكان الدول الاخرى ، حيث بقيت صربيا وحيدة بنظام دكتاتوري  شيوعي  شوفيني  فكان للولايات المتحدة هدف حماية الامن الاوروبي والاستقرار الاوروبي من خلال انهاء اخر دكتاتوريات اوروبا الذي كان يمثلها الرئيس السابق سلوبودان ميلوسوفيتش . لقد دخل  الرئيس الامريكي السابق "بيل كلنتون"  الحرب ضد ما سمى بالنظام  الصربي  بعد اخطاء ارتكبها  بحق جمهورية كوسوفو ذات الحكم الذاتي  ذات  الاقلية المسلمة التي دفعت حماقاته  لدفع الحزب الديمقراطي  بالتدخل لمصلحة قانون حقوق الانسان  التي تدخل ضمن استراتيجية الحزب الديمقراطي.

 

فما كان على امريكيا  سوى الخروج عن اعراف الامم المتحدة عن طريق تحالف دول حلف الاطلسي دون نقاش المهمة في أروقة مجلس الامن الدولي  كي تخضع لابتزاز الفيتو الروسي او الفرنسي وقتها .

 

شنت واشنطن الحرب ضد صربيا تحت شعار حقوق الانسان وحماية الاقليات الالبانية المسلمة  من همجية الصرب الأرثوذكسيين حلفاء روسيا واختها بالروح مما دفع روسيا بالاعتراض السياسي والدبلوماسي فقط  من خلال عودة رئيس وزرائها الراحل  يفغيني بريماكوف من فوق البحر وارجاء استكمال زيارته لواشنطن ، لعدم قدرة روسيا التدخل للدفاع عن اخر معاقلها القومية والمذهبية .

 

وبعد انتهاء نظام ميلوسوفيتش  بثورة شعبية اسقطت حزبه ونظامه من خلال الثورة الشعبية الاولى التي عرفت بثورة وسائل التواصل الاجتماعي حيث كان عمادها وقتها  الرسائل النصية والصفارات الشعبية.  فبعد انهيار المنظومة الاشتراكية ، لقد ساهمت الثورة بتغير النظام الحاكم وقد استطاعت المدعية العامة السابقة في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة "كارلا ديل بونت" من جلب ملوسيوفيتش وقيادته الى المحكمة الدولية في لاهاي عام 2002 وانهاء ذاك النظام الشيوعي، حيث توفى  في السجن  عام 2003 وانتهت قصة يوغسلافيا  ودكتاتورها الذي دافع عن نفسه في السجن كمحامي يملك كاريزما قيادية .

 

ويمكن الاستشهاد بفيلم المخرج "البوسني الصربي" أمير كوستاريكا  في  فيلمه (تحت الأرض1995 Underground )، الذي يقدم  المخرج فيه مرثية لبلدة يوغوسلافيا قبل أن تتمزق، مفتتحا الفيلم بعنوان جانبي تهكمي لكن يتسم بالحنين، (ذات مرة كانت هناك بلاد، وعاصمتها بلغراد).

 

وبالرغم من مضي وقت طويل لاتزال صربيا  حتى  اليوم معنية بحل مشاكلها مع جيرانها من اجل  انضمامها الكامل إلى الاتحاد الأوروبي. عندها تستطيع بروكسل مساعدتها على ترميم علاقاتها بجيرانها، وخصوصا كوسوفو،  بالرغم من الهدوء  الحذر ، لا يزال المطلوب  من بلغراد إصلاحات صعبة تنتظرها  ، وخاصة مواضيع سيادة القانون والعدالة.لفتح طريقها نحو العضوية بالاتحاد  الاوروبي، والاستقرار السياسي والمعنوي والاخلاقي لهذه الدولة الفتية .

 

فالمقاربة باتت ضرورية جدا من قبل الولايات المتحدة  بين صربيا  التي تم  كبح  طموحها  وتصرفاتها  الجنونية مع الجوار ، وما بين  ايران وطموحاتها  غير المحدودة للسيطرة على الجوار وتقديم نفسها  كلاعب اقليمي واعتمادها على استراتيجية  تقوم على ضرب الدول المستقرة  من خلال انشاء كيانات امر واقع  موازي للدول .

 

حيث باتت واشنطن تعتمد على استراتيجية  جديدة  في  التعامل مع المنطقة بتشكل ازمة فعلية  للسكان وللدول الاخرى من خلال الفقر والانهيار الاقتصادي والهجرات المستمرة نحو اوروبا  من اجل البقاء على قيد الحياة .  من هنا تكمن "القوة الخشنة المستخدمة ضد ايران " لأنها هي الوسيلة الأفضلُ في التعامل مع الحالات المخالفة  للقوانين الدولية كما حالة صربيا  سابقا ، فلا يعني امتلاك الدولة القوة الاقتصادية والعسكرية أنها ستحقق هدفها، بلّ يجب أن تعلم ما هي القوة المناسبة التي ستستخدمها لتحقيق هدفها. بالرغم من إضعاف دونالد ترامب للدبلوماسية الناعمة الأمريكية، بسببِ سياسته الخارجية الواضحة مع قضايا العالم، لكن  هذه القوة واستخدام ادواتها لا تعني باننا امام حرب قادمة وانما اشهار سلاح الحرب من اجل الجلوس على الطاولة  للتفاوض والسير بطرق النظام الدولي.