يعتبر المحيطون بالرئيس حسان دياب أنه نجا الاسبوع المقبل من محاولة «اغتيال سياسي»، تمثّلت في الدفع نحو إسقاط حكومته عبر «تَزويج» ضغط الشارع مع حركة سياسية مريبة. فما هي معلومات السرايا حول هذه المحاولة؟ وماذا يحضّر دياب للمرحلة المقبلة؟ لدى القريبين من دياب قناعة بأنّ خصومه في الداخل والخارج لا يكتفون بمعارضته وعرقلة حكومته، «وإنما هم سَعوا 3 مرات حتى الآن إلى إسقاطه، وبالتالي فإنّ كلامه قبل فترة عن محاولة انقلاب ضده لم يأت من فراغ، بل انّ الأحداث اللاحقة، ولا سيما في الأسبوع الماضي، أتت لتثبت انّ ما قاله ليس من وحي الخيال بل كان يعكس حقيقة ما يدبّر له في الكواليس».

 

ولعل المنحى الذي اتخذه الاشتباك السياسي على أبواب السرايا، مع دخول العوامل الخارجية على خطه، إنما دفع «حزب الله» إلى التمسّك بالحكومة والدفاع عنها اكثر من اي وقت مضى، في إطار حماية توازنات النزاع بينه وبين واشنطن، ما أفضى في نهاية المطاف الى تعزيز أسهم الحكومة، وليس العكس.

 

وخلال الأسبوع الماضي تدحرجت الوقائع في اتجاه عَزّز شعور دياب بأنه يتعرّض الى استهداف منهجي، حيث لاحَظ المحيطون به أنّ «الدولار قفز قفزات مريبة في السوق السوداء، ما أدى إلى تأجيج الغضب الشعبي في الشارع بالترافق مع دخول مجموعات منظمة وموجّهة من بُعد على خط الاحتجاجات مُتلطية خلف عباءة الحراك الشعبي الفضفاضة». في الوقت نفسه، التقط «رادار» السرايا مجموعة من الإشارات السياسية التي تدفع الى الارتياب، وفق استنتاج القريبين، «من قبيل عقد اجتماعات غير مألوفة في بعض المقرّات الدبلوماسية، سواء مع شخصيات لبنانية او بين السفراء أنفسهم، فيما كان هناك من بدأ يروّج على نطاق واسع بأنّ قرار إسقاط الحكومة صدر وانّ دياب يستعد لتقديم استقالته، بل تمّ الايحاء بأنّ البحث انتقل الى مربّع طرح البدائل والتفتيش عَمّن سيستلم رئاسة الحكومة».

 

اكثر من ذلك، راحت الاتصالات بالسرايا تتوالى، على إيقاع التسريبات في شأن تغيير حكومي متوقّع، وذهب بعض المتصلين المتأثرين بهذا الضَخ الى حد الاستفسار حول توقيت صدور بيان الاستقالة الرسمي عن دياب.

 

في المقابل، كان دياب يتابع ما يحدث ساخراً من السيناريو الذي يُرسم لنهايته المفترضة، وهو الذي لم يفكر ولو للحظة بالاستقالة التي يعتبرها غير واردة حالياً لا من قريب ولا من بعيد.

 

بالنسبة إلى دياب، الاستقالة الانفعالية ستكون مشكلة وليست حلاً، وبالتالي فهي غير مدرجة في حساباته الّا في حالتين: الأولى ان يتم التوافق المُسبق على تشكيل حكومة جديدة تتولى فوراً زمام الأمور من دون المرور مجدداً في نفق الفراغ المكلف، والثانية أن يجري سحب الثقة من حكومته وإسقاطها في مجلس النواب، «وغير ذلك ما حَدا يِحلَم أن أستقيل وأترك البلد لحكومة تصريف أعمال ستكتفي بمراقبة الانهيار ولن تستطيع اتخاذ اي قرار اساسي في مواجهته، الأمر الذي سيؤدي إلى تداعيات وخيمة اقتصادياً واجتماعياً».

 

وبناء على هذه المقاربة، قرر دياب أن يباغت الذين كانوا ينتظرون سقوطه بهجوم سياسي عنيف رفع سقف التحدي وتوزّعت رسائله في اتجاه خصوم الداخل من جهة وواشنطن والرياض من جهة أخرى.

 

أراد دياب أن يعطي المراهنين على إقصائه، وكذلك الشركاء في الحكومة، إشارة واضحة الى انه ليس خائفاً ولا ضعيفاً، فكان موقفه الحاد في مجلس الوزراء ضد سلوك بعض الدبلوماسيين المخالف للاعراف والأصول، قاصداً على نحوٍ خاص السفيرة الأميركية والسفير السعودي اللذين يتولّيان، من وجهة نظر السرايا، إدارة التحريض على الحكومة.

 

ويؤكد العارفون انّ دياب ليس من هواة المواجهة مع واشنطن والرياض، وهو الذي يحتاج إلى فتح كل نافذة ممكنة على العالم، «لكن عندما اشتد الحصار والضغط على حكومته وأصبحت المسألة بالنسبة إليه معركة حياة او موت، كان من الطبيعي أن يعيد تَموضعه السياسي وفق مقتضيات المرحلة، وان يفتّش عن خيارات بديلة للإنقاذ لأنه لا يمكنه ان يقف متفرّجاً على ما يحدث، ومن حقه وواجبه ان يفعل أي شيء لحماية اللبنانيين الخائفين على حاضرهم ومستقبلهم».

 

ويلفت هؤلاء الى انّ دياب كان حريصاً طيلة الفترة الماضية على إبداء المرونة والتصرف بروية، محاولاً احتواء الحصار وتَجنّب الصدام، «إلا انه يبدو انّ معادلة «يا حبيبي ويا عيوني» لم تنفع، إذ اشتد الضغط عليه الى درجة انّ طلب فتح اعتماد لاستيراد الفيول من أجل الكهرباء تَمّت عرقلته ماليّاً من نيويورك، كذلك تدخلت واشنطن لدفع الفرنسيين الى عدم مساعدة لبنان».

 

وتشدد أوساط السرايا على أنّ موقف دياب، المرتفع النبرة ضد تصرفات عدد من السفراء، لا يندرج في إطار التماهي مع محور خارجي ضد محور آخر، «بل هو انطلق من معايير سيادية حصراً، علماً انّ الآخرين هم الذين كانوا المبادرين ومنذ وقت طويل الى إقفال الأبواب والنوافذ امام دياب وحكومته بحجّة انها حكومة «حزب الله»، فيما هو كان ولا يزال مستعداً للتعاون مع الجميع في الغرب والشرق على حد سواء».

 

َووفق المعلومات، سبق أن سمع الزوّار الاجانب للسرايا كلاماً من دياب مفاده: «إذا كنتم تفترضون أنني محسوب على «حزب الله» وتابع له، بعدما تولّيتُ التدريس في الجامعة الأميركية في بيروت لمدة 30 عاماً وشغلت منصب نائب الرئيس لـ15 عاماً، وساهمتُ في تأسيس جامعات أميركية في عدد من الدول العربية والافريقية... فهذا لا يفسّر سوى أنه فشل استخباري كبير لكم لا يليق بكم... ولكن انا اعرف انكم تعرفون في قرارة أنفسكم بأنني مستقل سياسياً».

 

وتشير أوساط السرايا الى انّ مآخذ دياب على سلوك هذا الدبلوماسي او ذاك هي مبدئية ولا يصح تجييرها لحساب إيران و»حزب الله»، لافتة إلى انّ كلامه الصريح حول رفض زَج لبنان في الصراعات الإقليمية، يعني من ضمن الذين يعنيهم، الحزب وطهران أيضاً، ما يثبت استقلاليته.

 

ويرى دياب انه غير مضطر الى إجراء فحص دم كل يوم ليثبت عدم خضوعه الى إيران او الولايات المتحدة، والى «حزب الله» او تيار المستقبل، مصرّاً على انه يترأس حكومة اختصاصيين، وانّ احد أبرز عناصر قوته هو تَخفّفه من اي مصالح مالية او طموحات سياسية، «ولذلك ليس لديه ما يخاف عليه ومنه، الأمر الذي يعزّز قدرته على الصمود» وفق تأكيد أوساطه.

 

َوضمن سياق الرد على مشروع خنق الحكومة، قرر دياب أيضاً الذهاب بعيداً في الانفتاح الاقتصادي على الصين والعراق، حيث تقدّم النقاش معهما ليغوص في تفاصيل التعاون الممكن ومجالاته. وتفيد المعلومات انّ تفاهماً مبدئياً أُنجِز مع الوفد الوزاري العراقي الذي زار بيروت أخيراً، وقضى بأن تزوّد بغداد لبنان بالنفط من دولة الى دولة، وفق سعر أرخص من السائد في السوق، وعلى أساس تأجيل الدفع. كذلك تقرر عدم ربط الملفات بعضها ببعض منعاً لأيّ تأخير في تنفيذ ما يُتفق عليه، أي انّ الحصول على النفط العراقي غير مرتبط مباشرة بنتائج البحث في مسألة المنتجات الزراعية التي يمكن مَد بغداد بها.

 

وعُلم انّ الوفد نقل من رئيس الحكومة العراقية مصطفي الكاظمي رسالة تؤكد الاستعداد لدعم لبنان، مع الإشارة إلى أنّ اللواء عباس ابراهيم أدى دوراً كبيراً خلف الاضواء في تعبيد الطريق بين الحكومتين اللبنانية والعراقية.

 

وعلى وَقع مد الجسور والآمال في اتجاه الصين والعراق، من المتوقع أن تزور السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا السرايا الأربعاء المقبل، يرافقها قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي. واذا كان الطابع البروتوكولي سيطغى على الزيارة، الّا انها لا تخلو أيضاً من دلالات سياسية كونها تأتي بعد تصعيد متبادل، ومباشرة الانفتاح الرسمي على الصين.

 

ودياب الساعي الى الإمساك بالمبادرة بعدما كاد ان يفقدها، سيحاول إحداث صدمات ايجابية في أكثر من مجال قريباً، كما يوضح العارفون، فهل سيتمكن من الثبات فوق أرض متحركة؟