يتراجع الكلام عن تغيير حكومي حيناً ويتقدّم حيناً آخر، والمشترك في الحالتين هو التغيير، وتحديداً لدى الفريق الذي كان وراء تأليف الحكومة بعدما أيقن انّ قدرتها على منع الانهيار باتت متعذرة. يتحمّل الفريق الذي شكّل الحكومة المسؤولية الأساسية في شيخوختها المبكرة، لأنه لو أفسح لها في المجال بالقيام بالإصلاحات المطلوبة لما شاخت باكراً، ولكنه امتنع عن ذلك ظنّاً منه انّ باستطاعته عبور الأزمة من دون تنازلات مؤلمة، وبعدما أيقنَ استحالة الإنقاذ من دون إصلاحات كانت الحكومة قد فقدت فرصتها الداخلية والخارجية، وبالتالي أصبح ملزماً البحث عن حكومة جديدة.

 

وبالتوازي مع المسؤولية المشتركة للعهد و«حزب الله» في إفشال الحكومة، فإنّ الرئيس حسان دياب يتحمّل بدوره قسطاً مهماً من المسؤولية، لأنه التزم بالسقف الذي وضعه العهد والحزب، فيما كان باستطاعته ربطاً بصلاحياته ودوره عدم التجاوب معهما، ولو لم يتجاوب لكان أزعجهما بداية الأمر وخدمهما في نهايته، ولكن مشكلته الأساسية ظهرت في أدائه الذي لم يخرج فيه عن نغمة تحميل المسؤوليات واستحضار المؤامرات، فخسر فرصته الداخلية والخارجية في آن معاً.

 

وعندما يثير بعض من دعم الحكومة الحالية التغيير الحكومي، فهو لا يثيره من منطلق الترف أو حباً بالتغيير من أجل التغيير، بل انطلاقاً من التطورات المالية الدراماتيكية التي وضعت الفريق الداعم لهذه الحكومة أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الفوضى الحتمية أو الإصلاحات الضرورية ولو الجزئية حفاظاً على هيكل الدولة من السقوط تجنّباً لثلاثية محكمة:

 

تَجنّباً أولاً لخسارة قاعدة انطلاقته والغطاء الرسمي والسيطرة على قرار الدولة، فهو لا يريد الانتقال من حدود سيطرته على مساحة كل لبنان، إلى اقتصار سيطرته على دويلته.

 

تَجنّباً ثانياً لجَرّه إلى مشاكل داخلية ومناطقية في لحظة حرجة جداً عليه، بفِعل العقوبات والحصار والتضييق، وتستدعي منه التفرُّغ للمشهد الخارجي وتطوراته وليس جَرّه إلى مواجهات وتوريطه في توترات مذهبية وطائفية وسياسية تُضعف دوره وتقزِّمه وتمهِّد لضربه.

 

تَجنّباً ثالثاً لإضعاف موقف طهران التفاوضي عندما يحين أوان التفاوض، لأنّ الفرق كبير جداً بين ان يكون مُمسكاً بالورقة اللبنانية وحدوده لبنان، وبين ان يكون مُمسكاً بالورقة الشيعية وحدوده بيئته المذهبية.

 

ولا حاجة للتدليل بأنّ الوضع المالي يواصل انزلاقه وانحداره إلى القعر والهاوية، ولم يلجمه الكلام عن إنجازات وصلت إلى حدود الـ97 %، ولا اجتماعات حكومية مكّثفة ولقاءات حوارية مفتوحة ولجان بالعشرات ومستشارين بالمئات، وحيال هذا التدهور المتواصل سيجد هذا الفريق نفسه مضطراً إلى تغيير حكومي يشكّل صدمة إيجابية ويشتري بموجب هذا التغيير المزيد من الوقت تلافِياً للسقوط المدوّي.

 

فخيارات هذا الفريق أصبحت محدودة والعد العكسي للتغيير الحكومي بدأ، ولم يبق سوى تحديد الساعة الصفر بعد الاتفاق على كامل التفاصيل من رئاستها إلى أعضائها وبرنامجها وحدود الإصلاحات التي تنوي القيام بها، لأنّ هدف «حزب الله» الأساس ليس التغيير الحكومي لمجرّد التغيير، إنما أن يشتري من خلال الحكومة الجديدة بوليصة تأمين تُمكِّنه من شراء الوقت من أجل ان يحافظ على الستاتيكو الحالي في لبنان، لأنّ سقوط هذا الستاتيكو يعني خسارة مرجعيته لورقة تفاوضية مهمة، وإشغاله في الصراعات الداخلية والجانبية.

 

ولا يجب الاستهانة بالتفاصيل، لأنّ من سيوافق على حمل كرة النار الحكومية سيكون انتحارياً لـ3 أسباب أساسية لا يستطيع أن يضمنها: فهو لا يضمن ردة فعل الشارع الذي لن يمنح الحكومة فرصة بسبب تجربته وشكوكه ومأساوية الوضع المعيشي؛ ولا يضمن تعاون وتساهل العهد و«حزب الله» في تنفيذ خطة إصلاحية كممر إلزامي للمساعدات الخارجية؛ ولا يضمن تعاون المجتمعين الدولي والعربي في ظل تصنيفهما لبنان الرسمي ضمن محور الممانعة، واعتبارهما انّ ايّ مساعدة للدولة أصبحت بمثابة المساعدة للدويلة.

 

وفي موازاة حسابات من سيحمل كرة النار بعد تجربة الرئيس دياب الفاشلة، فإنّ للعهد حساباته أيضاً على رغم حشرته السياسية، وهو بحاجة لإخراج لا يعطي انطباعاً بأنه خسرَ وتراجع، فهو لا يريد تكرار تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي خرج في العام 1998 ليعود أقوى في العام 2000، خصوصاً انه يدرك انّ أي رئيس حكومة جديد وفقاً لمتطلبات المرحلة سيصطدم معه بدءاً من ملف الكهرباء، وفي تجربة ستكون مختلفة عن الرئيسين الحريري ودياب، وحكومة لن يكون داخلها أي نفوذ للعهد كونها ستكون حكومة اختصاصيين فعليين، وستتكئ على تجربة من سبقها بأنّ ايّ مسايرة او تهاون او تساهل سيقودها إلى الفشل، والعهد سيكون أمام خيار من اثنين: إمّا انفراط البلد وسقوط الدولة، وإمّا تسليم دفّة القيادة والحكم لحكومة جديدة.

 

ولأنه ليس من السهل على فريق أولويته السلطة والنفوذ ان يتخلى عن دوره السلطوي، فلن تكون بعبدا متساهلة مع اي تغيير حكومي إلّا بشروطها وفي طليعتها أن تكون وزارة الطاقة في عهدتها، فتؤول الحقيبة إلى المستشار الرابع في الوزارة، لأنّ ايّ حل للكهرباء لا يأتي عن طريق فريق بعبدا سيشكّل إدانة كبرى لهذا الفريق الذي لن يأتي الحلّ أساساً عن طريقه، فيما أيّ رئيس حكومة جديد لن يقبل بتكرار تجربة دياب كونه سيلقى المصير نفسه، وفي حال تجاوب العهد مع تمنيات «حزب الله» وضغوطه لأنّ المرحلة لم تعد تحتمل، فإنّ العلاقة بين رأسَي السلطة التنفيذية ستكون متوترة والحكومة ستكون بحُكم المشلولة.

 

فلا العهد في وارد تغيير نهجه وسياساته وطريقة إدارته للدولة على طريقة «مَن شَبّ على شيء شاب عليه»، ولا حكومة مستقلة قولاً وفعلاً وببرنامج إصلاحي قادرة على الانسجام والاتفاق مع العهد، وما يعجز الأخير عن عرقلته سيصطدم بالأكثرية الممانعة في مجلس النواب، ولذلك، لن تتمكن الحكومة الجديدة من فعل أيّ شيء، والانهيار سيتواصل فصولاً.

 

ومعلوم انّ الدكتور سمير جعجع كان من أكثر المتحمّسين لحكومة اختصاصيين مستقلين، وأوّل من دعا إلى حكومة من هذا النوع في زمن حكومات الوحدة الوطنية و«القوات» كانت في صلبها، إلّا انه وصل إلى قناعة بأنّ هذه الحكومة في ظل تَحكُّم العهد و«حزب الله»، واستطراداً الأكثرية النيابية، ستكون مقيّدة، فإذا سايَرت انتهت، وإذا مانَعت انتهت، وبالتالي لا حلّ للأزمة القائمة سوى من خلال ما ذهب إليه جعجع بتغيير شامل وكامل للسلطة عن طريق انتخابات نيابية مبكرة.

 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تستطيع ان تصمد البلاد ماليّاً بانتظار الانتخابات المبكرة؟ وهل ستوافق الأكثرية على تقريب موعد الانتخابات؟ وهل الانهيار أصبح حتميّاً في ظل الحكومة الحالية او اي حكومة جديدة؟ وهل سينجح «حزب الله» بشراء بوليصة تأمين تتيح له تأخير الانهيار لِما بعد الانتخابات الأميركية؟

 

ولعل الإجابة الوحيدة عن كل تلك التساؤلات وغيرها يمكن اختصارها بجملة من 3 كلمات: يجب التَهيؤ للأسوأ.