لا خلاص إلا بدولة حقيقية. لا شرعية لسلطة حكم تعجز عن ضمان الحياة الكريمة للشعب، ولا حاجة إلى دولة تتجاهل أسباب معاناتهم، ولا مسوّغ لفكر سياسي لا يفهم المقاومة إلا مقاومة حق المواطن في لقمة العيش.
 

لبنان الغارق في الفقر، والذاهب بسرعة خيالية إلى الهاوية ، مع انهيار دراماتيكي في سعر صرف الليرة خلال الفترة الأخيرة، حالات انتحار بدأت معالمها تظهر، وبدأت علامات الفقر المدقع تظهر بوضوح. المشهد غير مبالغ فيه أن يجد آلاف المواطنين أنفسهم في الشوارع بعد أن يعجزوا عن تأمين المال لدفع أقساطهم أو بدلات إيجار بيوتهم، وكما يقول وليد جنبلاط سنعود إلى أيام أجدادنا داعياً إلى التضامن تحصيناً لمقومات العيش. ليس هناك أفقُ في انفراج الأزمة قبل حصول تغيير حقيقيّ في تركيبة الحكم، وهذا ليس بالأمر السهل، ما يجعل نفق الأزمة أطول وأصعب.

 

 فقوى السلطة وبعض المعارضة الشكلية الساعية للعودة للحكم، ليست مستعدة لفك الارتباط بالفساد، وعلى اللبنانيين أن يدركوا هذه الحقيقة.

لم يعد هنالك هامشاً للانهيار الحاصل في لبنان. فالكارثةُ حلت على الجميع بشراً وقطاعات وهي تتقدم مسرعة مطيحة بما تبقى من معالم الحياة وركائز الاستقرار ووسائل البقاء، بينما السلطة السياسية تمارس عجزها المتنامي وكأنها في حلبة عروض فاضحة تزيل ورقة التين وتكشف كل عيوبها وعوراتها ولم تبقي لها من الاعتبار شيئاً، بعد أن فشلت في الاستجابة لأيّ شكلٍ من أشكال الإصلاح وأوغلت عميقاً في دروب الفساد. 

 

لبنان، في هذه المحنة، لم تستطع حكومته الاستجابة لمطالب الداخل والخارج. فالفساد لا يزال طاغياً. والإشكالية الأكبر والأسوأ أن معظم من شارك في الحكم متورّطٌ فيه، وهو ليس حكراً على محورٍ سياسي أو كتلة معيّنة، وهذا التورّط ليس حكراً على التيار الوطني الحر والثنائي الشيعي، بل يشمل قوى في ما كان يسمّى 14 آذار.

 

القضية لم تعد اليوم محصورة بتيار واحد أو شخصية محدّدة، بل إن المجتمع الدولي والعربي يسأل اليوم: أين ذهبت مليارات الدولارات من الدعم التي تلقتها التيارات السياسية المعارضة لحزب الله من خلال وجودها في الدولة لتنفيذ مشاريع تنموية في المناطق المحرومة.

 

إقرأ ايضا : قرض صندوق النقد مستبعد والحكومة بحال تصريف الاعمال

 

 

مشكلة هذه الحكومة انها حكومة هواة يديرهم محترفون. ومشكلة لبنان ليست معها بمقدار ما هي مع المحترفين الذين يطبق بعضهم مبدأ السلطة للسلطة والمال في بلد مفلس، ويمارس بعضهم الآخر سياسة السلطة للتسلط على بلد وجعله مساحة جغرافية في خدمة مشروع اقليمي ضمن صراع جيوسياسي. ولا يزال اللبنانيون، ومعهم الدول المهتمّة بمصيرهم، ينتظرون سلّةً من التغييرات البديهية في مجالات الإدارة والطاقة والجمارك والتهريب، ولا يجدون في المقابل سوى الغياب التامّ عن هذه القضايا، يرافقه انهياراً شاملاً في الظروف الحياتية، وسِباقٌ تخوضه العملة الوطنية لتلحق بعملات الدول المجاورة من سوريا الى ايران. كانت سلّة الإصلاحات البديهية ولا تزال، شرطاً لخوض نقاش مُفيد ومُنتج مع المؤسسات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد، ومع الدول الداعمة والمانحة في إطار مؤتمر سيدر، والإمتناع عن مُقاربة هذه السلّة الإصلاحية، أوقع الحكومة في حالة شلل مقصود، وفِي فراغ حاول رُعاتها وأركانها، ملأه بالهجوم على الديبلوماسيين الأجانب، والمقصود منهم مُمثّلو أميركا والسعودية تحديداً، وربّما ينضم الى اللائحة في الايام المقبلة السيد كوبيتش، مُمثّل الأمين العام للأمم المتّحدة، بعد تغريدته الإنتقادية الصريحة . 

 

لكن رعاة الحكومة هزوا لها العصا لا إصلاحات، لان مصالحنا أهم. والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي تحولت مفاوضات ومناوشات بين اطراف السلطة السياسية والمالية المختلفين حتى على ارقام الخسائر. والمعادلة جاءتنا واحدة من صندوق النقد والعرب والعالم لا اصلاحات،لا ابتعاد من حزب الله، لا مساعدات. انسوا سيدرالذي ضاع في هيمنة كورونا وإهمالكم. لا بل ان فرنسا المتعاطفة مع لبنان يئست من تقديم النصح وبدأت تحذرنا من ان حدة الأزمات قد تقود الى الفوضى والعنف. 

الحكومة الآن تقوم بما جاءت من أجله من إلتزام بمقتضيات المقاومة والممانعة، بعد تردّد بقايا خلايا التكنوقراط  فيها. ولن يمرّ وقت طويل قبل أن نكتشف نتائج جهودها الانقاذية. وفي هذا الوقت، سارعت الحكومة لترجمة التوجه شرقاً بهدف اللعب على حافة الهاوية لشراء الوقت ،وعلى اللبنانيين التحلّي بمزيد من الصبر والإيمان لربما تحصل المعجزة.

 

ختاماً،في لبنان ، لا خلاص إلا بدولة حقيقية. لا شرعية لسلطة حكم تعجز عن ضمان الحياة الكريمة للشعب، ولا حاجة إلى دولة تتجاهل أسباب معاناتهم، ولا مسوّغ لفكر سياسي لا يفهم المقاومة إلا مقاومة حق المواطن في لقمة العيش.