ان على القوى الحاكمة ان تختار ما تعتقد انه يمكن ان يخفف من الانفجار المتسارع بين يديها، ما لم تعتقد انها يمكن ان تبقيه مضبوطا وتحت السيطرة، اكان ذلك تغييرا حكوميا يكتسب دلالات ايجابية قوية عبر حكومة انتقالية مستقلة تشكل صدمة إيجابية .
 

في ظل غياب أي أفق لحل الأزمتين المالية والاقتصادية، ينقاد لبنان بسرعة نحو الانهيار، نتيجة تعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، في ظل الخلافات التي تعصف بين مراكز القرار السياسي والمالي في هذا البلد. وبرأى بعض المراقبين إن الجميع في لبنان يبدو أنه تعايش مع الانهيار، واستسلم لهذا الواقع الذي بات حتميا، وبات الكل يتحضر لكيفية التعامل معه، حتى أن هناك من يجد فيه فرصة لتجييره خدمة لأجندته السياسية، التي يتجاوز بعدها المحلي إلى الإقليمي والدولي. في الداخل كل المحاولات التي تقوم به السلطة لا تعدو كونها مجرد جرعات تسكينية للمواطن اللبناني، الذي بات يتهدده الجوع على ضوء ارتفاع صاروخي في المواد الأساسية.

 

لا نريد التلهي بمشاريع الحكومة ووعودها وخطابات رئيسها والتي لا تتعدّى صيغة ومنطق مواضيع الإنشاء المدرسية، كما اننا لا نريد اضاعة ما تبقى من فرص الإصلاح والنهوض من خلال جدل عقيم يدفعنا إليه أمين عام حزب الله، سواء للاختيار ما بين الجوع والبندقية أو بين التوجه غرباً أو شرقاً، حيث تدعو خطورة المرحلة العودة إلى زخم الانتفاضة في الشارع كوسيلة ناجعة لإسقاط حكومة دياب على غرار المصير الذي واجهته حكومة الحريري قبله. وعلى ضوء جلسة مجلس الوزراء بالامس ،و في سابقة من نوعها، وقعت مشادة كلامية بين رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة خلال الجلسة الاستثنائية للحكومة، التي دُعي إليها الحاكم رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف اللبنانية سليم صفير، وانعقدت لمناقشة الوضع المالي والاقتصادي للبنان بعض المصادر اشارت أن دياب اتهم جهات لم يحددها، بأنها إما أدوات خارجية لإدخال لبنان في صراعات المنطقة وتحويله إلى ورقة تفاوض، أو تعمل على استدراج الخارج وتشجعه على الإمساك ووضع البلاد على طاولة المصالح الدولية والإقليمية والتفاوض عليها.

إقرأ ايضا : قرض صندوق النقد مستبعد والحكومة بحال تصريف الاعمال

واتهم دياب هذه الجهات بأنها تلعب لعبة رفع سعر الدولار الأمريكي والمضاربة على الليرة اللبنانية، وأنهم يحاولون تعطيل إجراءات الحكومة لمعالجة ارتفاع سعر الدولار، وقال لعبة الدولار أصبحت مكشوفة ومفضوحة. ثم طلب دياب من رياض سلامة إطلاع مجلس الوزراء على خلفيات وحيثيات ما حدث أثناء تسعيرة الدولار وسأله لماذا إجراءات المركزي لا تقدم نتائج إيجابية. بدوره رد سلامة قائلاً إن تهريب الدولار لسوريا هو المسبب الرئيسي لارتفاع قيمته مقابل الليرة اللبنانية.

 

ثم طالب الحكومة بأن تقرر ماذا ستفعل مع قانون قيصر، وقال الجهات المعنية بقيصر لا تمزح وجادة في خطواتها وإيجاد حلول للمعابر غير الشرعية سيساعد في ضبط التهريب الذي يبدأ بالدولار ولا ينتهي بالوقود والطحين، ودور الحكومة هو الحفاظ على السيادة وليست أن تكون وسيطاً مع القوى السياسية التي ترى أن مصالحها الإقليمية أهم من لبنان. فعلية توحي بالثقة وتعطى صلاحيات استثنائية لها او اي تغيير جوهري كبير من مجموعة من الاوراق التي يمسك الحزب بها بقوة ويجمعها الى صدره ويرفض التنازل عنها او بضعة امور معا لان تغيير وحيد قد لا يكون كافيا. لكن السفراء الاجانب يلاحظون ويخشون كما الكثير من اللبنانيين ان الانهيار لن ينتظر حتى الخريف المقبل بل هو على بعد اسابيع معدودة. فهل هذا هو ما يدفع اليه الوضع مع ان الصورة غير واضحة بما يكفي الى ما بعد ذلك؟.

 

وأشار سلامة في الجلسة إلى كل دول العالم بها سوق سوداء، وحجمها في لبنان ليس سوى 5%، وأن سعر الدولار الحقيقي لا تعكسه السوق السوداء أبداً. وتقول أوساط سياسية لبنانية إن مصير لبنان بات في مهب الرياح الداخلية والإقليمية والدولية، وما يزيد الوضع سوءا هو أن الفريق الذي يمسك حاليا بالوضع اللبناني يرى مصلحة في ما يحدث من انهيار على أمل بناء جديد تكون له فيه اليد الطولى دون منازع أو صوت مناوئ.

 

وبالعودة الى المسؤولية عن الانهيار، فان البروباغندا التي اعتمدها العهد والحكومة ازاء تحميل الحكومات السابقة الانهيار الحاصل سقطت مع اداء كارثي بدأ من تراجع لبنان عن التزام دفع ديونه للخارج من دون التفاوض مع الدائنين الى تأكيد المضي في تعطيل تأمين الكهرباء وتاليا استمرار تكبيد الدولة مليارات من الدولارات وصولا الى رفض توقيع التشكيلات القضائية ومن ثم تعيينات المحاصصة المالية التي ضربت اي صدقية للبنان على هذا الصعيد. ومن الصعب القول ان عون يمكن ان ينقلب على الحزب 180 درجة كما في السابق قبل عام 2006 لكنه يملك اوراقا يستخدمها لمصلحته وفي باله في الدرجة الاولى حسابات واهداف شخصية ومباشرة في ظل الانهيار الذي مني به عهده.

 

ومع اظهار الحزب مسؤوليته عن الحكومة اللبنانية التي اظهرت تأثرها كليا بقراره ما افقدها كليا طابع الموضوعية او الحياد الذي تلبسته لبعض الوقت، بات الحزب مسؤولا كما رئيس الجمهورية عن تقديم الاجراءات  التنازلات ربما بالنسبة الى الحزب ووفق رؤيته من اجل تفادي انفجار الوضع اللبناني في وجهه وبين يديه. 

 

ان على القوى الحاكمة ان تختار ما تعتقد انه يمكن ان يخفف من الانفجار المتسارع بين يديها، ما لم تعتقد انها يمكن ان تبقيه مضبوطا وتحت السيطرة، اكان ذلك تغييرا حكوميا يكتسب دلالات ايجابية قوية عبر حكومة انتقالية مستقلة تشكل صدمة إيجابية .