كل ذلك يدل على الترهل السياسي والعاصفة التي قد تضرب الجميع، ولا تستثني أحد. وهو ما يسري على الخلافات الحكومية وبين القوى السياسية، التي باتت قابلة للتفجر حتى بين الحلفاء، خصوصاً بعد الإنقسام الذي حصل حيال الموقف من السفيرة الأميركية في بيروت وتصريحاتها والتضارب حول الإعتذار منها ام لا.
 

في ظل الازمات المتلاحقة في لبنان وفي ظل إنعدام التوازن على مستوى السلطة السياسية وعدم قدرتها على لجم اندفاعة تلك الازمات الامر الذي يؤدي حتماً الى الوقوع في الهاوية .وعلى ما يبدو ان هذه السلطة على الرغم من هول هذه الازمات يبقى شغلها الشاغل الانقضاض على الدستور تحت عناوين مختلفة ولعل ابرزها كان عنوان تطوير النظام  والتي شكلت بشكل او باخر نوع من ردة الفعل الغربية وعلى راسها فرنسا والتي كانت الى امد قريب تراعي الوضع اللبناني لاعتبارات شتى . وجاء بيان لقاء بعبدا، الذي شكّل مضبطة اتهام للسلطة والطبقة التي تديرها، إذ أثبت للجهات الدولية أنّ من المستحيل إنقاذ لبنان في ظلّ هذه السلطة. وتالياً، هو منَحَ هذه الجهات مزيداً من المبرِّرات للمضيّ في التشدُّد والعقوبات.

 

 

عوضاً من ان يتناول لقاء بعبدا الحواري كما تمت تسميته، مسببات إشعال الفتنة واستهداف السلم الأهلي المعروفة للقاصي الداني وينكب على معالجتها ووضع الحلول الجذرية لمنع تكرار محاولات اللعب على اوتارها من جديد،تم تجاهل هذه المسببات وأهمها استفحال الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي باتت تداعياتها السلبية والضاغطة على أكثرية الشعب اللبناني تُهدّد بتفاعلات خطيرة وارتدادات لا يمكن التكهن بنتائجها على لبنان كلّه، بينما يتداخل بين هذه الاسباب، سبب مهم يستغل دعاته وعلى رأسهم رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل وفريقه السياسي وجود الرئيس ميشال عون في سدة الرئاسة لإعادة ما يسمونها مجد الصلاحيات الرئاسية الضائع ولو كان على أنقاض لبنان كله. 

 

 

فلو كان الهدف الحقيقي للقاء كما ورد في مضمون الدعوات الموجهة للمشاركين وهو منع إشعال الفتنة المذهبية والطائفية والحفاظ على السلم الأهلي، لكان من الأجدى تحديد المسببات و الأخذ بعين الاعتبار تلك المسببات التي تسهم بذلك، والعمل الجدي الهادئ بين كل الأطراف بالسلطة وخارجها بعيداً عن التشنج والاتهامات والتخوين للمساهمة معاً في وضع مقترحات الحلول المطلوبة، أكان للأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بلبنان أو موضوع الاستراتيجية الدفاعية أو الجنوح المتواصل لرئيس التيار العوني للتصادم مع مختلف الأطراف والطوائف الأخرى تحت مسميات وعناوين خلافية، طائفية حيناً وسياسية حيناً آخر، لكان شكل اللقاءسياقاً مختلفاً عمّا حصل والمشاركين فيه من أكثرية من جميع الأطراف الوازنة والفاعلة في الساحة السياسية كلها، في حين كانت نتائجه مغايرة كلياً عمّا صدر وتأثيره واعداً ومبشراً في استنباط الحلول اللازمة وإخراج لبنان من أزمته .

 

 

لكن بواقع الحال هذا ما حصل ، فلم يعد بالإمكان تدارك تداعياته وإنعكاساته السلبية، ليس على الصعيد المالي والاقتصادي فحسب، بل أبعد من ذلك بكثير، لا سيما ان البيان الختامي للقاء الذي تصدّر في مقدماته العناوين الرئيسية والمحصورة بالحفاظ على الأمن والاستقرار ونبذ كل محاولات إثارة الفتنة وهي مطالب يحرص عليها كل اللبنانيين علناً ، لكن تضمين الدعوة لتطوير النظام في البيان الختامي يطرح تساؤلات واستفسارات عديدة عن المغزى الحقيقي والهدف المرجو منه في هذا الظرف الذي تستفحل فيه الأزمات المعقدة داخلياً ويتفاعل فيه الخلاف السياسي أكثر من أي وقت مضى، في حين يتطلب الوضع العام تهدئة التباينات وتخفيف التشنج السياسي إلى أدنى مستوى ممكن . 

 

 

وهذه المرة تجاوز طرح موضوع تطوير النظام الإطار الفضفاض والشكلي للقاء بعبدا، وبرزت في ثناياه بوضوح نزعات الجنوح إلى تغيير النظام المرتكز على اتفاق الطائف علناً هذه المرة ولو بعبارة مقتضبة ومجملة ولكن في مضمونها وابعادها تكشف النوازع الحقيقية والنوايا التي تضمرها نفوس ومكامن الداعين والداعمين الأساسيين لتغيير النظام تحت عنوان إعادة تطويره، بعد ان كانت كل الدعوات السابقة لهذا التغيير تتم بشكل غير مباشر، في حين كانت دعوةالمفتي أحمد قبلان مؤخراً لهذا التغيير أبلغ دليل على المطالبة بهذا التغيير مباشرة .

 

 

مهما يكن فإن طرح تطوير النظام السياسي تحت أي مسمى كان، ولا سيما من قبل أطراف لم تكن يوماً تتآلف مع اتفاق الطائف أكان شعاراً طائفياً أو مذهبياً ويتناغم معه الفريق الرئاسي الذي يُخفي طموحه لهذا التعديل تحت شعار إعادة الصلاحيات الرئاسية أو حقوق المسيحيين وما شابه من دعوات أدّت إلى تباينات واستفزازات وتشنجات طائفية ومذهبية طوال السنوات الثلاث الماضية من ولاية العهد الرئاسي، قد يزيد من حدة الانقسامات السياسية التي بلغت اوجها في الوقت الحاضر ضد سياسة رئيس الجمهورية وممارسات تياره السياسي بالاضافة الى اطراف اخرى.

 

إقرأ ايضا : قرض صندوق النقد مستبعد والحكومة بحال تصريف الاعمال

 

وفي الوقت نفسه، قد تكون مرشحة للتصاعد أكثر في حال تقدّم مطلب تطوير النظام على حل الأزمة المالية والنقدية، باعتبار ان مثل هذا الطرح الخلافي لا يتم تحت ضغط الغرائز الطائفية والمذهبية المتباينة وبقوة الأمر الواقع، بل يتطلب البحث بتطوير النظام فعلاً اجواءً مؤاتية أكثر مما هي حالياً، والا فإن الامعان بهذا الطرح يعني الدخول بالمجهول  وهذ بالتأكيد ما يهدد السلم الاهلي.  

 

كل ذلك يدل على الترهل السياسي والعاصفة التي قد تضرب الجميع، ولا تستثني أحد. وهو ما يسري على الخلافات الحكومية وبين القوى السياسية، التي باتت قابلة للتفجر حتى بين الحلفاء، خصوصاً بعد الإنقسام الذي حصل حيال الموقف من السفيرة الأميركية في بيروت وتصريحاتها والتضارب حول الإعتذار منها ام لا.