سواء انعقد الحوار غداً في بعبدا أو تأجَّل، لا فرق. فالأسئلة الحقيقية ستبقى: بين مَن ومَن سيدور هذا الحوار؟ هل هناك فعلاً أطراف مختلفون ليأتوا ويتحاوروا، أم سيدور الحوار بين أركان طاقم واحد، بعض أجزائِه ما زال في السلطة والبعض الآخر ينتظر دوره؟ وأساساً، ما هي نقاط الخلاف الحقيقية بين هؤلاء وهؤلاء؟ وهل ستوضع على الطاولة مشكلاتُ البلد الحقيقية- التي يعرفها الجميع ومن دون حاجة إلى الحوار- أم هناك صورةٌ وبيانٌ جاهزان، مسحوبان من الأرشيف؟

المشكلة التي تواجه طاولة الحوار تبدو وكأنّها محصورة بالميثاقية السنّية. فإذا قال رؤساء الحكومات السابقون «نعم»، تنعقد الجلسة. يكفي هذا الإيحاء لإدراك أنّ نموذج الحوار المرسوم في حزيران 2020 لا يقوم على برنامج عمل محدَّد ودقيق، بل على مراضاة الخواطر. وهو نفسه نموذج الحوارات التي دارت في سنوات مضت، وأوصلت إلى الكارثة.

 

الحوار الذي يجري التحضير له سيكون مُمِلّاً وعقيماً، بين أركان طاقم سياسي واحد، لا يعرفون لماذا انتفض الناس في 17 تشرين، ولماذا سقطت حكومة الحريري وقامت أخرى، ولماذا وقع الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي. ولا يدركون أنّ البلد معرَّض لاهتزازات عنيفة نتيجة العواصف الإقليمية الآتية، وفي مواعيد ربما تكون قريبة.

 

بعبارة أخرى، قوى 8 آذار، التي استفردت بالسلطة بعد سقوط تركيبة 2016 وحكومة الحريري، تدعو اليوم شركاءها السابقين، قدامى 14 آذار، إلى حوار ينقذ الجميع من مأزق قاتل.

 

تحديداً، تريد 8 آذار أن تحصل على تغطية من 14 آذار، ولاسيما من الرئيس سعد الحريري، وأن يقوم بوساطاتٍ مع الجهات الخارجية (السعوديون والفرنسيون والأميركيون وسواهم) لتخفيف الضغط والحدّ من الحصار والعقوبات. فإذا تجاوبت 14، تكافئها 8 بإعادتها شريكة في السلطة.

 

هذا السيناريو هو الذي تمّ اعتماده بعد اتفاق الدوحة 2008: تتقاضى 14 ثمن تشغيلها للدفاع عن 8. وعودة الحريري إلى السلطة مع بدء عهد الرئيس عون كانت تتويجاً لهذه المعادلة.

 

والدليل إلى ذلك، أنّ الحريري «استقتل» للدفاع عن نفسه وحكومته خلال أزمة «الاستقالة» الشهيرة في خريف 2017، وخاصَم حلفاءه المسيحيين لأنّهم انحازوا إلى خيار إسقاط الحكومة «الخاضعة لنفوذ «حزب الله». وحتى في انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، بقي الحريري حتى الرمق الأخير يقاتل دفاعاً عن حكومة «كلُّن يعني كلّن».

 

اليوم، توحي الحركة المكوكية الدائرة على خطوط الوسطاء (بري- الحريري- جنبلاط- جعجع) بأنّ هناك محاولة لاستعادة المعادلة القديمة، وتكريسها في حوار بعبدا. والأرجح، أنّ الحريري وسائر نادي رؤساء الحكومات، لم ينضووا في اللعبة لأنّهم لم يحصلوا بعد على الثمن المطلوب، أي رأس حسّان دياب.

 

بل إنّ «حزب الله»، المايسترو، لم تنضج لديه فكرة التخلّي عن حكومة دياب التي يديرها بـ«الريموت كونترول»، لمصلحة حكومة يقودها الحريري ويشارك فيها جنبلاط وجعجع، فيما يرتفع منسوب العقوبات الأميركية والحصار الخليجي عليه.

 

لذلك، هو يتخوَّف من هذا الخيار، ويفضّل الاكتفاء بـ«تطبيع معتدل» للعلاقة مع الحريري، لا أكثر. وفي اعتقاد البعض، أنّ عودة الروح إلى الديبلوماسية السعودية، مع قوى ومرجعيات لبنانية، بعد انقطاع طويل، ربما تُترجم مبادرة من جانب هذه القوى والمرجعيات في اتجاه السعودية، وليس العكس.

 

إذا تقدّمت العلاقة بين 8 و14 آذار، ونجح الحوار، فسيتكرّس التواطؤ السلطوي بينهما. ولمصلحة البلد أن تفشل هذه الطبقة السياسية في التواطؤ مجدداً وحماية الرأس: البعض يحمي مصالحه ومكتسباته الزعاماتية، والبعض يحمي نفوذه السياسي والعسكري والأمني أيضاً.

 

وسيكون حيوياً لقوى الانتفاضة أَلّا تلعب ورقة القوى السياسية التقليدية. فالمراهنة على استقطاب بعضها لن تنجح، وكذلك المراهنة على عزل بعضها الآخر وضربه. فما يجمع قوى السلطة، السابقة والحالية، أكبر بكثير مما يفرّقها: مصالح وغنائم بحجم بلد.

 

ولذلك، هذه القوى ستكون جاهزة لتتضامن في أي لحظة. وهذا يعني أيضاً أنّ سعي انتفاضة 17 تشرين إلى إقامة «جبهة معارضة» متنوعة الانتماءات السياسية لن يكون مجدياً على الإطلاق وسيقود إلى الخيبة.

 

وفي الخلاصة، إنّ قدامى 14 آذار «يُحِبُّون» قدامى 8 أكثر مما «يحبّون» جماعة 17 تشرين، الآتين حديثاً بسيف الإصلاح، و»كلّن يعني كلّن». وإجمالاً، بين معظم هؤلاء «القدامى»، كثير (جداً) من «الخبز (المدعوم طبعاً) والملح»... و«تِخْبْزوا بالأَفراح»!