«عايشت حروباً، وأزمات كبرى في لبنان، واجتياحات، ولم يرفّ لي جفن، ولم اخف كمثل ما أنا خائف في هذه الايام».

 

بهذه الجملة، ينطلق احد كبار المسؤولين في توصيفه للأزمة الاقتصادية والمالية التي يمرّ بها لبنان، ويضيف: «ما نمرّ به، أخطر من كلّ الحروب والازمات والاجتياحات، لست ابالغ إن قلت «قلبي مقطوع، ومش عم نام الليل»، انا مرعوب، خائف من جوع الناس، ومن بؤس الناس؛ 55 % منهم واكثر صاروا تحت خط الفقر، وما يزيد على الـ20 % من الـ55 % صاروا مُعدَمين، تحت خط البؤس».

 

ما يقوله المسؤول الكبير يعكس مرارة على وضع صار في أدنى المنحدر، ليس معلوماً ما هو مخبأ له تحت، في «مغارة الآلام»، ووجعاً على بلد أفقه مظلم مسدود ومصيره صار مجهولاً، وحنقا ومللاً من «فئة متعالية»، هوايتها افتعال المشاكل، والقفز من سلك توتّر إلى آخر، هكذا من دون سبب، و»العربشة» على أشجار المكابرة، والمضيّ في معركة تصفية حسابات وتسجيل نقاط على أبناء جنسها الطائفي والمذهبي، وهمّها الأوحد أن تقدّم نفسها أنّها وحدها من صنف الملائكة والقديسين، وكلّ ما عداها شيطان رجيم!

   

لا يسمّي المسؤول طرفاً بعينه؛ فالتسميات لا تحتاج الى تنقيب او تنجيم، ويخبّر عنها المشهد السياسي بكلّ صراحة ووضوح:

- صبيانية فاقعة، طائشة، متحكّمة، مغرورة، فاقدة لجرأة التنازل لبلد مريض، ولشجاعة الاعتراف بفشلها، وبأنّ كلّ «صفات القوة» التي اسقطتها على نفسها، منذ بداية تحكّمها بالبلد، ما كانت سوى اوراق توت تساقطت واحدة تلو الأخرى وعرّتها من قمة رأسها الى اسفل قاعدتها.

- حكومة عُوِّل عليها، وسُلِّم بها على انّها القشة التي ستسند خابية البلد، وتوعّدت بأنّها ستمحو إرث سابقاتها، فإذا بها تسقط سريعاً في فقدانها لجرأة المبادرة، وفي عنادها، وفي جهلها، وفي انعدام خبرتها، وفي ضعفها، وفي افقادها هيبتها بكسر قراراتها كما حصل حول سلعاتا، وفي تخبّطها الذي تجلّت ابشع صوره في إعدادها وحدها، ودون استشارة اصحاب الخبرة والاختصاص، خطة ملتبسة متسرّعة للتعافي المالي، وفي فضيحة الاشتباك امام صندوق النقد الدولي بين اعضاء الوفد اللبناني، الى حدّ انه بدل ان يكون الصندوق طرفاً في التفاوض تحوّل الى حَكَم بين اعضاء الوفد اللبناني!

- موالاة محرجة، باتت تشعر انّ حكومتها تحوّلت الى جثة سياسية ملقاة على الارض، وهي، اي الموالاة، كمن ابتلع الموسى، فلا هي قادرة على اعادة احيائها ولا هي قادرة على دفنها، فظروف البلد لا تسمح، وصندوق البدائل فارغ، وبالتالي ما عليها سوى التسليم بالامر الواقع وتقطيع الوقت الى ان يقضي الله أمراً كان مفعولاً!

- معارضة أو معارضات مشتتة، متخاصمة، لكلّ منها موّالها وأجندتها، وشعارها الأساس «قمْ لأقعد مطرحك».

 

يقول المسؤول: «هذه هي صورة البلد، الكل مأزومون، والممسك بناصية السلطة يهرب الى إلقاء مسؤولية الانهيار على الخارج ومداخلاته، ودور العامل الخارجي صحيح، لكنّ الداخل «مكفّي وموفّي»، وثبت مع تناقضاته وكمائنه لبعضه البعض، انّه يستحيل إيجاد علاج للأزمة، أو حتى بلورة قواسم مشتركة بين مجموعة مأزومين، حتى على المسلمات والبديهيات، ومع وضع كهذا من الطبيعي جداً ان ينهار البلد. وهذا يصيبني بالهلع، ومن الآن أقول: حذاري من غضب الجائعين».

   

لتحذير المسؤول اسبابه الموضوعية؛ فـ»اللقمة» صارت مفقودة، تتحكّم بها لصوصيّة التجار، وعدّاد الغلاء على مدار الساعة، ناشط على مزاجية هؤلاء التجار، وطار بالأساسيّات الحياتيّة والغذائيّة العاديّة الى ما فوق متناول الناس، وامّا الأجهزة المعنيّة بالكبح، فإمّا هي غير موجودة، وإمّا هي مشلولة متذرعة بعدم توفّر العديد لجهاز المراقبة، مع انّ بعض المحافظين قدّموا اقتراحات جديّة لم يؤخذ بها رغم أنّها توفّر هذا العديد المطلوب وبزيادة.

 

اما الوزارة أو الوزارات المعنية فـ»مش فاضية تحكّ راسها» من اجتماع الى اجتماع، وصراخ الناس لا يصل الى غرف الاجتماعات! وعندما يُطرح عليهم السؤال «لماذا لا تواجهون هذا الفلتان»، يأتي الجواب سريعاً: «الحق على الدولار»!

 

هو جواب يغطي فيه المقصّر في حماية المستهلك، هروبه من مسؤوليته الكابحة للصوصيّة التجار، ولكنّه لم يخترع فيه جديداً؛ فالدولار هو اصل المشكلة ومؤزّمها، وعود الثقاب الذي قد يُشعل فتائل الغضب الشعبي الآتي حتماً ولو بعد حين.

 

السلطتان السياسية والمالية تقولان، انّ لبنان يعاني الجفاف النقدي بالدولار، فهل هذا صحيح؟

 

قد يبدو هذا السؤال غبيًّا، في ظلّ الشحّ المريع، في الدولار واعلان المصارف انّ خزناتها فارغة، والتأكيدات الرسمية وغير الرسمية، عن تهريب ملايين الدولار الى سوريا، وتحويله، عبر بعض المصارف وبعلم مصرف لبنان، بالمليارات الى دول اخرى، وتحذيرات مصرف لبنان بأنّ احتياطه من العملات الصعبة بلغ المرحلة الحرجة..رغم ذلك فإنّ السؤال ليس غبياً لأنّ الجواب بسيط جداً: الدولار موجود وبكميّات هائلة!

 

ولكن اين؟

المسلّم به لدى الجميع من دون استثناء، انّ الدولار صار عملة نادرة الوجود وصعبة المنال، ولكن لماذا هو متوفّر - قبل الضخ الذي لم يُضخ من مصرف لبنان - وبكميات كبيرة لدى الصراّفين الشرعيين وغير الشرعيين؟ ومن أين يأتي اليهم الدولار؟ ولماذا هو متوفّر وبكميات غزيرة في السوق السوداء والتداول به بأسعار مرتفعة، ومن اين يُضخ الدولار الى هذه السوق، ومن يديرها ومن يحميها؟!

 

والأنكى من كل ذلك، انّ الدولار متوفّر بكميات هائلة، لدى ما يمكن تسميتها «مافيا الشيكات» المصرفية والعادية، حيث شراء هذه الشيكات بنصف قيمتها او اقل، ما زال تجارة مزدهرة منذ بدء الأزمة حتى الآن، ويُصرف الشيك نقداً. والغريب العجيب، انّ بعض المشترين يمارسون هذه التجارة علناً بلا رقيب او حسيب، وبعضهم يحتكمون، وفق معلومات موثوقة، الى أرصدة نقدية (دولارات كاش) في مستودعات خاصة بين 300 و400 و600 مليون دولار تُستخدم في تجارة الشيكات. علماً انّ آلاف عمليات البيع قد تمّت منذ بدء الأزمة وحتى اليوم وبمئات ملايين الدولارات!

 

السؤال الذي ينبغي ان يلقى جواباً: هل تعلم السلطة بهذا الامر؟ ومن هي الجهة او الجهات التي توفّر هذه المبالغ الهائلة؟ ومن أين تأتي بها؟ وماذا تفعل بالشيكات، وهل ثمة عمليات تبييض اموال كبرى تجري على غفلة من هذه الازمة؟