من حق اللبنانيين الخشية من احتمال وقوع نكسة تصيب المفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي في اي لحظة. فالطروحات الجديدة من «التوجّه شرقاً» زادت من المخاوف الناجمة عن عدم التوافق على ارقام الخسائر المالية المقدّرة، وبوادر رفض حكومي لما قيل عن توحيدها. ولذلك توجّهت الانظار الى استكشاف أجواء الصندوق وتوقعاته، بقدرة لبنان على التزام شروط المرحلة والإيفاء بالتزاماته؟ وعليه ما هو الجديد الذي يستحق التوقف عنده؟

 

بمعزل عن النتائج التي يمكن ان يؤدي اليها الاجتماع المالي والحكومي الذي عُقد مساء امس في السرايا الحكومية بدعوة من رئيس الحكومة حسان دياب، للبحث في ما سُمّي «انجازاً» حققته لجنة المال والموازنة النيابية، بموافقتها على الارقام والمقاربات التي وصلت اليها لجنة تقصّي الحقائق النيابية الفرعية. فهي اللجنة التي أُوكلت اليها مهمة توحيد أرقام الخسائر التي مُني بها القطاع المصرفي ومصرف لبنان. وقد تمّ ذلك بعدما اعتمدت اللجنة - حسب زعمها - «مقاربات جديدة تحترم المعايير الدولية المالية» توصلاً الى «القواسم المشتركة» بمعزل عن ارقام الطرفين «الحكومة» و»مصرف لبنان»، والتي ستُترجم في متن التقرير المفصّل الذي تعهّدت بوضعه للتعاطي مع الصندوق بلغة واحدة.

 

وإذا اعتقد البعض انّ مجرد توحيد الأرقام في لبنان - إن تحقق ذلك - يفي بالغرض لتزخيم المفاوضات مع صندوق النقد فهو مخطئ، لأنّ الملف اللبناني كما هو مطروح على إدارة الصندوق ليس كاملاً، ولا يكفي لبنان أن يقدّم تصوّره النهائي. فللصندوق رأيه في كل نقطة وفاصلة، ضماناً لسلامة ما سيقترحه ومدى قدرته على الالتزام بما هو مطلوب، قبل تقديم العون المادي له. فلا يجب ان يغيب عن بال احد، انّ الصندوق يعرف الوضع في لبنان جيداً، فالبلد تحت المراقبة المشدّدة، ويعرف انّه في العناية الفائقة منذ سنوات، وله رأي لم يُطع في كثير من السياسات التي كانت معتمدة فيه، ولما وصل لبنان الى ما وصل اليه، لو التزم بكثير مما قالت به تقاريره منذ سنوات. وانّ محاولات البعض وتذاكيه في اخفاء بعض الحقائق، لا تخرج تأثيراتها من الوطن الصغير. وان تجاهل اللبنانيون اهميتها، فهي ستُحتسب كما هي، قبل ان ينتقل الملف الى الدوائر المعنية في مقرّ الصندوق في واشنطن لإقرار الخطوات اللاحقة، التي لا تُبنى سوى على قدرة لبنان على الإيفاء بها قبل ان يفتح الطرق المقفلة الى بقية المؤسسات والجهات والدول المانحة، التي تنتظر رؤية الصندوق و»شهادته» باستحقاق لبنان العودة الى سوق الاقتراض او نيل الهبات للخروج من «قعر المأزق» السحيق الذي بات فيه.

   

على هذه الخلفيات، توجّهت الانظار الى دوائر الصندوق في واشنطن، من اجل استطلاع الاجواء التي تواكب المفاوضات مع لبنان، لفهم ما يقوم به الجانب الآخر المعني بها. وعلى رغم الصمت المطبق حيال تسريب اي من المعطيات الدقيقة غير المعلن عنها، انطلاقاً من «سرّية المفاوضات» وحرص مسؤولي الصندوق في الادارة المركزية على عدم الغوص في التفاصيل قبل ان تكتمل الصورة، وحفاظاً على سلوكية الفرق المهنية وما تتمتع به من صدقية لا يرقى اليها اي شك، سوى عند التعاطي معه من منظار سياسي او عقائدي.

 

بداية، على الجميع ان يدرك انّ لبنان من مؤسسي صندوق النقد الدولي، الذي ولد قبل 75 عاماً بمبادرة بريطانية واميركية، الى جانب 44 بلداً، قبل ان تتوسع المشاركة فيه لتصل الى حدود 189 بلداً. وهو أُنشئ تزامناً مع انشاء البنك الدولي، ولمهمة مختلفة تماماً، بعدما قرّر خوض المواجهة للتخفيف من آثار ازمة الكساد العالمية في كثير من البلدان، التي كانت قد خرجت للتو من الحرب العالمية الثانية، ومواجهة سياسات رفع الرسوم الجمركية وما سُمّي بـ «حرب العملات»، من انعكاسات سلبية على حجم النمو فيها. وللبنان دور منذ ولادته، وهو من مالكي الأسهم فيه، وله ممثل دائم هو حاكم مصرف لبنان المركزي، الى جانب معظم حكّام المصارف في العالم. وهو واظب على المشاركة في الاجتماعات السنوية التي تُعقد في مطلع الخريف من كل عام، الى جانب وزير المال وعدد من الخبراء في ورش العمل المخصصة لتقييم عمل الصندوق وانتخاب هيئاته الادارية، ولا سيما منها المجلس التنفيذي، صاحب القرارات النهائية والحاسمة.

 

وخلال ورشة عمل للصندوق بالوسائل الالكترونية منتصف الاسبوع الجاري، شارك فيها اعلاميون من لبنان والاردن وتونس ومصر والمغرب، كانت الغاية منها القاء الضوء على عمل الصندوق في مواجهة جائحة الكورونا وتداعياتها على الوضع في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وطريقة تعاطيه مع طلبات دولها. وكانت مناسبة للحديث عن هيكليته التي تجمع 2700 موظف من مختلف دول العالم، وطريقة إدارته للازمات متى لجأت اليه اي دولة من اعضائه، وشرح آلية العمل المعتمدة فيه، وسبل اتخاذ القرارات والاسس التي تقوم عليها المفاوضات مع اي دولة، بما فيها لبنان، الذي طلب الدعم قبل اشهر قليلة. فالصندوق من المؤسسات المستعدة للتدخّل في الأزمات، مقدّماً العون المادي والتقني، وربما النصح، في كثير من المجالات الاقتصادية والنقدية والموازنات العامة وطريقة إدارة المال العام والديون، وفق آليات تعتمد على مجموعة من العناوين وابرزها سياسة الاقراض والمراقبة والمساعدة والدعم التقني، وهي مهمات مترابطة لا يمكن التخفيف من اهميتها ان حاول البعض صرفها في السياسة.

   

وعلى رغم من التكتم على المعلومات عن مسار المفاوضات مع لبنان وما تحقق في الجولات الـ14 حتى الآن، فقد اعترف احد المسؤولين الكبار بالتعقيدات في هذه المفاوضات، بعد دخولها «غرفة العناية الفائقة». ومن دون ان يشير الى مزيد من التفاصيل، فإنّ تجميد المفاوضات، بعد الغاء الجولة التي كانت مقررة الاثنين الماضي من دون تحديد الموعد المقبل، جاء نتيجة سحب لبنان مشروع «الكابيتال كونترول»، الذي كان ورقة في الملف، لا يمكن اهمالها في المفاوضات مهما بلغ حجم الخسائر المقدّرة في القطاع المصرفي، الامر الذي لم يرتح له وفد الصندوق لأنه الى جانب ارقام الحكومة، فهو في كل الحالات سيكون حكماً في النتيجة عند البت بالإجراءات الواجبة كما بالأرقام النهائية للخسائر، إن بلغت المفاوضات مرحلة متقدمة.

 

واذ اصرّ المسؤول في الصندوق على تأكيد الشفافية والمساواة في تعاطيه مع الدول طالبي المعونة، إن كانوا يخضعون لعقوبات دولية او اميركية كما الوضع الايراني، ومؤكّداً انّ الصندوق لا يتعاطى السياسة، اشار الى امكان ان تتوقف طلبات هذه الدول عند التصويت عليها في مجلس المندوبين، الذي يسيطر عليه ممثلو واشنطن وطوكيو والسعودية. ورغم وجود مقعد دائم لإيران في المجلس، فإنّ ما حصل يبرّر التريث في البت بالمساعدة التي طلبتها في 13 آذار الماضي لنيل 5 مليارات دولار في مواجهة الكورونا، وهو ما ينسحب ايضاً على طلبات الدول التي تشبه النموذجين الايراني واللبناني.

 

وعليه، ليس من السهل تجاوز كل هذه الملاحظات متى تقدّمت المفاوضات مع لبنان، بعدما نالت 69 دولة مساعدات الصندوق الاستشارية والتقنية والمالية، قبل ان يطلب لبنان المفاوضات معه. فالتخبّط اللبناني يعطي مزيداً من الإشارات السلبية الى امكان تقدّم الحوار معه. وما لم يلتفت لبنان الى كل هذه العناصر، التي تجاهلها مسؤولوه الغارقون في وحول المواجهات الداخلية، سيبقى السباق قائماً بين اولوية الاصلاحات أو المساعدات، قبل ان يفتقد الإثنين معاً.