صدر حديثا عن مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد- بيروت، بالتعاون مع دار التنوير، كتاب “مفهوم الأيديولوجيا” ضمن ثلاثة مجلدات، للمفكِّر العراقي د. محمد حسين الرفاعي، ضمن مشروعه الفكري: [اِستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان في المجتمعات العربيَّة].

مفهوم الأيديولوجيا: يتناول المجلَّد الأول من الكتاب مفهوم الأيديولوجيا ومفهوم الثُنائِيَّة في المعرفة العِلميَّة- والفلسفيَّة الحديثة. كما يشتمل على تفكيك المحطَّات النظريَّة والمَنْهَجيَّة التي للبحث العلميّ. إنَّ سوسيولوجيا المعرفة بوصفها علم المعرفة، هي علم مفهوم المفهوم العلمي. فما هو المفهوم الذي يوجد بداخل كل المفاهيم؟ وساهم ويساهم في وجودها؟ ويحدِّدها؟ ويعيِّن ماهيتها؟ ولا ينتظر، أبدًا، أن يتحقَّق في الواقع، ويكفي أن يكون في الفكر ضابط للفكر، والتفكير، حتى يكون الواقع بمجمله من بنائه؟ إنَّه مفهوم الأيديولوجيا.

إنَّه موضوع سوسيولوجيا المعرفة؛ من حيث أنه يتخلَّل (المعرفة – بعامة). إن الأيديولوجيا، بوصفها المفهوم المركزي، والأصلي في المجتمع – بعامَّة، ينتج ثنائيات معرفيَّة من حيث هو ينتج عن ثنائيَّة (الفكرة – ووعي الفكرة). إذا كانت الفكرة ناتجة عن المعرفة بعامَّة، من داخلها، وإذا كانت الذات المتسائلة تقع داخل المعرفة بعامَّة، فسوف لا تتمكَّن من التساؤل عن ماهيتها؛ لأنها تمارس ماهيتها، في (اليوميَّة)، ومسألة وعي الفكرة، ليست أكثر من بداهة يوميَّة. ومن جهةٍ أخرى، يكفي للفكرة أن تكون داخل المعرفة بعامَّة، ويكفي أن تكون بديهيَّة، أو تلك الأكثر بداهة، حتى تكون في موقع (المتساءل – عنه). وإنه، من مشروعيَّة التساؤل عن وعي الفكرة، لوعي الفكرة، أي من أجلها، ينهض التساؤل الأبستيمولوجي عن الأيديولوجيا.

ما هو المفهوم؟

كما يتناول المجلَّد الثَّاني من الكتاب المفهوم العلميّ الحديث في علوم المجتمع والإنسان، وكيفيَّة بنائه. كما يتضمَّنُ معنى بناء الموضوع العلميّ، والمنهج العلميّ، في المعرفة العِلميَّة- والفلسفيَّة الحديثة.

ماذا يعني، أساسًا، التساؤل عن “فهم – عالميَّة – المفهوم – السوسيولوجي”. من جهة المعرفة السوسيولوجيَّة في الفكر العربي، إبستيمولوجيا، إنطلاقًا من أرضيات التساؤل السوسيو – معرفي التي بُنيت، إلى الآن؟ ولماذا، يجب، على مثل هذا التساؤل، وعلى كل التساؤلات في حقله، أن يتصدَّر كل التساؤلات العلميَّة – السوسيولوجيَّة في البلدان العربيَّة؟ ويقع على رأسها؟

وماذا يعني التساؤل، ابستيمولوجيًا، ضمن سوسيولوجيا المعرفة، عن ثنائيَّة العالميَّة – والخصوصيَّة؟ إنه يعني الذهاب مباشرةً إلى:

1- كيفيات فهم مفهوم العالميَّة الذي من شأن المعرفة السوسيولوجيَّة بوصفها تقدّم بنفسها، على أنها كونيَّة والردّ عليه.

2- الحجج المنطقيَّة للفكر في كل مرَّة يتناول عالميَّة المفهوم السوسيولوجي.

3- ما الذي يجعل أن يكون لـ “السياسي” دور في كل مرَّة في الفهم، وكيفيَّة الفهم، وكيفيَّة بناء الفهم بالمفهوم السوسيولجي؟

4- الأيديولوجيا، وضروب الفهم عبرها، التي تقدِّم وتمارس مفهوم العالميَّة، أو تُمارس على الضدّ من مفهوم العالميَّة.

5- ثنائيَّة العالميَّة والخصوصيَّة بوصفها متوفِّرة على أصول مجتمعيَّة داخلها، وأطر مجتمعيَّة تمارس وجودها المجتمعي الواقعي عن طريقها.

6- الأسس الفكريَّة التي تجعل المعرفة السوسيولوجيَّة التي من شأن الفكر العربي، في كل مرَّة، تواجه العالميَّة عن طريق ثنائيَّة العالميَّة والخصوصيَّة.

 

المعرفة والأيديولوجيا

يشتمل المجلد الثَّالث من الكتاب على تفكيك حضور، وكيفيَّة حضور الأيديولوجيا في المعرفة العِلميَّة الحديثة بالمجتمع والإنسان، داخل الفكر العربيّ الحديث، من جهة، وفي المعرفة العالَميَّة الحديثة، من جهةٍ أخرى.

لقد سبق لمحمد عابد الجابري أن قدَّم وعيًا بثنائيَّة ( التراث – والحداثة)، جعلها، في استخلاصاته، خارج الواقع، مسألة ثقافيَّة – فكريَّة بحتة، لا مجتمعيَّة. كما جعل عبد الله إبراهيم من إعادة إنتاج المفهوم أداة تجاوز الثنائيَّة المجتمعيَّة في بلداننا العربيَّة، من خلال الكشف عن، واستخراج أحاديتها المجتمعيَّة الواحدة. كما حوّل محمد أركون، وجورج طرابيشي، وعبد الله العروي، التراث العربي بمضامينه ومنظوراته، إلى حداثة وتحديث، وفقًا لمعايير الحداثة والتحديث في الغرب. بيد أن ما غاب عن هذه الممارسات العلميَّة إنما هو التساؤل الإبستيمولوجي على هدى شروط إمكان بناء وإعادة بناء عالميَّة المفهوم العلمي الحديث في كل مرة. فلا وضع الثنائيَّة خارج الواقع، ولا إعادة إنتاج المفهوم انطلاقا من الواقع، ولا تحديث التراث وحداثته، يمكن أن تنفتح على العالميَّة انطلاقا من موقع إعادة بناء العالمي من شأن المفهوم السوسيولوجي. كل هذي الدعوات إنما هي تندرج ضمن القياس والتقويم انطلاقا من نماذج مثل، هي تكون معايير وضع، واختيار، وتحديد، أولًا وفوق كل شيء. فما هو مضمون البناء وإعادة بناء العالميَّة التي من شأن المفاهيم العالميَّة في كل مرَّة وقد أصبحت الآن كوزموبوليتانيَّة؟

إنَّ مفهوم العالميَّة إنما هو يجد تمثّله الصريح في مفاهيم السوسيولوجيا، منذ القرن الثامن عشر، في ارتباط إبستيمولوجي – معرفي بتحوّل جذري من مفهوم العالم بما هو عالم ثقافة ما، أو جماعة ما، أو مجتمع ما، أو لغة ما، أي من مفهوم العالم مأخوذًا بوصفه عالمًا من العوالم المغلقة إلى مفهوم العالم بوصفه وحدة العوالم، في انفتاح أصلي مفروض على العوالم التي تريد أن تفعل فعلًا معرفيّا بعامَّة، أو فعلًا علميًّا بخاصة، أو مجتمعيًّا ضمن المجتمع العالمي بعامَّة.

 

يُذكر أنَّ الدكتور محمد حسن الرفاعي، باحث عراقي في السوسيولوجيا والأبستمولوجيا- المعهد العالي للدكتوراه- الجامعة اللبنانيَّة، وهو مدير تحرير مجلَّة قضايا إسلاميَّة معاصرة ومستشار علمي وفكري في مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد.

الطبعة الأولى من الثلاثيَّة تقع في 1500 صفحة، وهي من إصدارات مارس/آذار 2020.

 

التنويري