علينا أن نموت كي نحيا، هذه ليست كلمات الشهداء، لكنْ معناها في صميم وجدانهم: إنّ حياةً غير ذات مغزى اليوم، لن تكون ذات مغزى فيما بعد.
 

جاء اغتيال الشهيد سمير قصير في مثل هذا اليوم من العام ٢٠٠٥، في سِياق حملة القضاء على القوى اليسارية والوطنية والفاعلة في لبنان، حملة بدأها النظام السوري( عبر أدواته اللبنانية) بمحاولة اغتيال النائب الاشتراكي مروان حمادة، وأعقب ذلك اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وبعد اغتيال قصير تفاقمت موجة الإغتيالات شراسةً وفجاجة، لتطال خيرةَ رجال الفكر والثقافة والسياسة والأمن، من القائد الشيوعي اللبناني السابق الشهيد جورج حاوي، إلى القائد الكتائبي الشهيد بيار أمين الجميل، والنائب والصحافي اللامع والناشط جبران تويني، وبعد استراحةٍ قصيرة لم يسلم من الإغتيالات النائب الكتائبي بيار غانم، ووزير المالية السابق محمد شطح، ورجل الأمن اللواء وسام الحسن، ونجت بأعجوبة من الموت الإعلامية مي شدياق.

 

اقرا ايضا :دياب يتراجع عن قرار حذف سلعاتا..بفضل صلاحيات عمّ باسيل

 

للأسف الشديد،  تمّ اصطياد وقتل وتفجير هذه الشخصيات بيُسرٍ وسهولة، حتى خلت السّاحة لتسلُّق قيادات سياسية انتهازية في البيئة المسيحية، مثّلها أسوأ تمثيل التيار الوطني الحر بقيادة الجنرال عون وخلَفِه جبران باسيل، والذي تمكّن ببعض الدهاء و" الشّطارة"، وبفعل الفراغ السياسي والأمني المُريع من عقد اتفاق مار مخايل مع حزب الله، لتكُرّ سُبحة الخيبات والإنتكاسات والإنهيارات التي تُوّجت بانتخاب الجنرال عون إلى سدة الرئاسة الأولى، وما تلا ذلك من انهيارات مالية واقتصادية خانقة، وانسدادات سياسية مُعقّدة، حتى جاءت انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول عام ٢٠١٩، والتي يُعوّل عليها اليوم لحمل لواء شعلة الحرية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي سبق لسمير قصير أن حملها مع كوكبة شهداء الفكر الحُرّ والسياسة المسؤولة، كي لا تخبو هذه الشعلة، ولا تضيع هذه الدماء الزّكيّة هباءً في وطنٍ كان حتى الأمس القريب بلد الإشعاع والنور والحضارة والثقافة والطباعة والنشر والتوزيع والصحافة، بلد الخلْق والإبداع، بلد اجتراح الحياة من براثن القتَلَة والسّفاحين، وأهلوهُ اليوم، المُثخنين بجراح السلطة الفاسدة الغاشمة، يرون ميلاد الأرض مُجسّداً، حين يتعاضد الناس المنتفضون في الشوارع في مجموعةٍ عظمى، مُتدفّقة بنار الحياة: " علينا أن نموت كي نحيا"، هذه ليست كلمات الشهداء، لكنْ معناها في صميم وجدانهم: إنّ حياةً غير ذات مغزى اليوم، لن تكون ذات مغزى فيما بعد.