واذا كانت الأوساط السياسية المستقلة استهجنت استهتار العهد باضعاف الحكومة وهي لا تزال في التقليعة التي تعقب مرور المئة يوم الأولى على انطلاقتها بكل ما اثارته مباهاة رئيسها بنسبة ال97 في المئة من الإنجازات المزعومة فكيف ستكون عليه العلاقة لاحقا وباي معايير ستبقى تدار أمور البلد.
 

شكل المشهد السياسي الذي شهده الواقع اللبناني في الايام الماضية مؤشراً إلى قرب دخول الساحات مجدداً عاملاً محورياً في الواقع السياسي الغارق في حال من التجاذب والتوتر بين أطراف السلطة ومع خصومها فوق فوهةِ البركان المالي الذي انفجر وبدأت حِمَمُهُ تلتهم آخِر مقوّمات صمود الغالبية الساحقة من اللبنانيين أمام وحش التضخم الذي يتغذّى من انهيار الليرة أمام الدولار والذي تزداد آثارُه الموجعة بفعل تَمَدُّد جيوش العاطلين عن العمل أو العاملين بنصف راتب أو أقلّ نتيجة تَحَوُّل الاقتصاد وقطاعاته حطاما جاءت أزمة كورونا على طريقة دقّ المسمار الأخير في نعشه. فاذا كانت عطلة نهاية الأسبوع أقفلت على تطور إيجابي واحد تمثل في اعلان نقابة الصيارفة انهاء إضرابها وعودة الصيارفة الى العمل بدءا من صباح الاربعاء فان ذلك لن يكفي وحده لتلمس مدى تأثير التوافق الذي حصل بين النقابة ورئيس الحكومة وحاكم مصرف لبنان  على إعادة تخفيض سعر الدولار المحلق في مقابل الليرة اللبنانية . والواقع ان هذا التطور بدا بمثابة تفصيل امام عودة تفاقم السخونة التصاعدية في التحركات الاحتجاجية في الشارع في الأيام الأخيرة منذرة باحتدام واسع على خلفية استفحال الازمات المالية والاقتصادية والاجتماعية وخصوصا في ما يتصل بمصير القطاعات الإنتاجية والخدماتية والسياحية المهددة بالإقفال الجماعي وبالتسبب باخطر ازمة بطالة عرفها لبنان في تاريخه .

 

 وإذا كانت التحركاتُ التي تم إحياؤها في اليومين الماضييْن أمام منازل عدد من السياسيين لم تخرج عن سياقٍ طبع الانتفاضة في جولتها الأولى، فإن تطوران بارزان استوقفا أوساطاً سياسية في ما خص الحِراك المتجدد.  الأول تَسَلُّح ناشطين في التظاهرة على تخوم مقرّ الرئاسة الثانية في عين التينة بصورٍ للرئيس بري، لم يتوانوا عن دوسها ثم حرْقها بعد تعرّضهم للاعتداء وتحطيم زجاج عدد من السيارات التي كانوا يستقلونها وصولاً إلى معادلة التظاهرة بتظاهرة مضادة التي ارتسمت أمام مقر وزارة الداخلية .

 

والتطور الثاني التظاهرة غير المسبوقة أمام قصر العدل في بيروت تحت عنوان لا للدويلة داخل الدولة ولا للسلاح غير الشرعي، في إشارة إلى سلاحِ حزب الله، والذي تخللته دعوات باللافتات والتصريحات إلى الأمم المتحدة للعمل على تطبيق القرارات الدولية.

 

فإن هذا التطور الميداني وعلى محدودية حجمه حَمَل بُعداً مزدوجاً، أوّله أنه شكّل أوّل دخول علني تحت عنوان مباشر على ملف سلاح حزب الله من دون أن يُعرف إذا كان ذلك قد يتحوّل عامل جذْب لأطراف مُعارِضة للسلاح أم أن هذه الأطراف ستُبقي على مسافة منه مرتبطة بضوابط الواقع السياسي الداخلي.

 

اقرا ايضا : تشكيك دولي بقدرة لبنان على الاصلاح

 

والثاني أنه يطرح علامات استفهام حول إمكان أن يكون فتيلاً إشكالياً داخل صفوف المنتفضين الذين لم يسبق أن قاربوا ملفات سياسية إلا من باب الفساد، أو ربما يجرّ إلى تحركات مضادّة شارع مقابل شارع . وإذ ترافقتْ هذه التحركات مع استعداداتٍ لعودة الروح إلى ساحة الشهداء مع دعوات للتظاهر فيها السبت المقبل تحت عنوان إيد بإيد نسقط كل الفاسدين، فإن اهتزاز الأرض مجدداً يأتي وسط انشداد الأنظار إلى ثلاثة محاور متلازمة يُنذر كل منها بأن تهبّ منه رياح ساخنة على الوضع اللبناني وهي

 

 دخول قانون قيصر الذي أقرّه الكونغرس الأميركي غداً، حيّز التنفيذ، وإنعكاسه على الواقع اللبناني وسط رصْد دقيق لما إذا كان سيحمل عقوبات على أشخاص وشركات وكيانات في لبنان على خلفية دعْمٍ للنظام السوري.  استمرار المفاوضات الشائكة بين لبنان وصندوق النقد الدولي حول برنامج تمويلي حتى 2024 وفق الخطة التي وضعتْها حكومة الرئيس حسان دياب والتي تخضع لمعاينة دقيقة من الـصندوق الذي يشترط كما الدول المانحة في سيدر، إلى جانب تفاصيل تقنية حول الخسائر المالية وتوزيعها وسبل معالجتها، مساراتٍ تطبيقية للوعود الإصلاحية سواء في ما خص موضوع التهريب والتهرب الجمركي المعابر الشرعية وغير الشرعية او قطاع الكهرباء أو استقلالية القضاء أو الحوكمة وسيادة القانون وغيرها.

 

هذه المحاور التي من الممكن ان تشكل خطراً تصاعدياً سيواكب اتساع التحركات الاحتجاجية في الشارع يبدو واضحا انه سيشكل ألاستحقاق الأشد وطأة على الحكومة التي تتخبط بارباكاتها المتعاقبة بما يثقلها بمزيد من الشكوك حول قدرتها على احتواء السخونة الصاعدة في الشارع باعتبار ان الاهتزازات الأخيرة داخل الحكومة شكلت علامات بالغة السلبية حول الإدارة الحكومية للازمات . وما ساهم في رسم علامات الشكوك ان الصفعة القاسية التي تلقتها الحكومة على يد العهد نفسه في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء في ملف معامل الإنتاج الكهربائي وإرغام الحكومة على التسليم بتسوية شكلية لا تحجب تراجعها امام ضغط العهد طرحت الدلالات الابعد من معمل سلعاتا الذي كان نموذجا بالغ السلبية للسلوكيات التي تطبع العلاقة بين العهد والحكومة من جهة والشركاء في السلطة من جهة أخرى . واذا كانت الأوساط السياسية المستقلة استهجنت استهتار العهد باضعاف الحكومة وهي لا تزال في التقليعة التي تعقب مرور المئة يوم الأولى على انطلاقتها بكل ما اثارته مباهاة رئيسها بنسبة ال97 في المئة من الإنجازات المزعومة فكيف ستكون عليه العلاقة لاحقا وباي معايير ستبقى تدار أمور البلد.