المشهد اللبناني في الطريق إلى محاولة نزْع فتائل الانفجار الكبير المالي الاقتصادي عبر مفاوضاتِ الفرصة الأخيرة مع صندوق النقد الدولي على برنامج التمويل.
 

في لبنان مَن يجنح خارج السياق العام، ومَن لا تعنيه العبَر، ولا التعلّم من التاريخ والتجربة. فعند كل أزمةٍ سياسية تلجأ بعض القوى السياسية، والطائفية خصوصاً، إلى طرح شعارات مقيتة، تارة بشكلٍ فج، وأطواراً أخرى بأشكال ملطّفة. مطلقة شعارات تهدف إلى إعدام أي محاولةٍ لإحياء مفهوم المواطنة اللبنانية. واعتماد لغة  تبرز عند كل منعطف أساسي يبلغه لبنان، الفريد بتنوّعه وصيغته، والدقيق في معادلاتها.

 

إن، خطورة ما يجري وما يُطرح من قبل هواةٍ أو طامحين وطامعين للعب أدوار سياسية، من خلال هذه الأفكار الهدّامة، والتي تؤسّس إلى مزيدٍ من الانهيار والتداعي. اخذين في اعتبارهم بأن هكذا مشروعٌ يسير بتوافقٍ ورضاً دولي، ويستلهمون ما جرى في العراق وسوريا، معتبرين أنه سيتكرّس في لبنان أيضاً، لذلك يلعبون دور الدعاة إلى تطبيقه بدون أي قراءة واقعية للتجربة اللبنانية. 

واستُكمل الرد على طرح الفيدرالية من قِبَل المفتي الجعفري الممتاز، أحمد قبلان، ومِن قِبَل نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ علي الخطيب، اللذان ذهبا أبعدَ من ذلك وطرحا سجالاً جديداً في مسألة النظام اللبناني بكليّته. فكان الرد على طرح الفيدرالية أقوى مما توقّعه الآخرون. 

 

اقرا ايضا :السلطة السياسية وكورونا يدفعان لبنان نحو الاسوأ

 

 

وليس ما يجري من تشرذمٍ مذهبيٍ وطائفي، ولعبٍ داخل الطوائف، إلّا في سياق التأسيس لتعميم هذا الخطاب، وهو ما يستدعي الحذر دوماً من مثل هكذا طروحات، والتي ستعني في النهاية حروب الآخرين على أرضنا.

الكلام السياسي الذي تضمّنته خطب رؤساء الطوائف الإسلامية في عيد الفطر الاهتمام في ما حملته من رسائل بمختلف الاتجاهات، في وقتٍ أمضى اللبنانيون فيه عيد الفطر على غير ما اعتادوه بظل الفقر المتزايد والغلاء المستفحل.

 

هذه الخطب بما طرحته من إشكاليات النظام السياسي في لبنان، وتحديداً كلام قبلان، ولّدت ردوداً رأت فيها بداية تحول سياسي، فالبعض فسّر ذلك كمقدمة للدعوة لمؤتمر تأسيسي وطرح صيغ جديدة، فيما ربطه البعض الآخر بكلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري الأخيرة التي طالب فيها بالدولة المدنية وإجراء انتخابات نيابية على أساس لبنان دائرة واحدة وإلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس شيوخ وفق إتفاق الطائف، وذلك رداً على دعوات صدرت همساً بتطبيق الفدرالية تحت عناوين طُرحت علناً كاللامركزية المالية أو غيرها، الأمر الذي يشرعن القلق والهواجس لاعادة اجواء الحرب الاهلية التي ذاق اللبنانيون مآسيها في زمن مضى.

 

يتّجه البلد نحو مرحلة ساخنة سياسياً واقتصادياً ومعيشياً، في ظل أجواء غير مريحة وضبابية على الصعيد الإقليمي، والتي لها ارتداداتها على الداخل اللبناني في ضوء ما يجري في شمال سوريا، إلى التصعيد العسكري الإسرائيلي تجاهها أيضاَ.

 

 وهذا الواقع يبعث على المخاوف من استغلال إسرائيل لهذا الوقت الضائع من خلال القيام بعمل عسكري ما، أو تكثيف الغارات على مناطق سورية حيث القواعد الإيرانية وحلفائها، وذلك في الوقت الذي تتزايد فيه خطورة تفشّي وباء "كورونا"، إذ أن هذا قد يشكّل عاملاً إضافياً في تكريس نوع من الفراغ قد يتم استثماره عبر تصعيد إقليمي، لا سيما وأن المنطقة بأسرها تغلي وتعاني من أزمات إقتصادية، ولبنان ليس بمنأى عن هذه التحوّلات، لا بل وفق المعلومات المتداولة، فإن كل الإستعدادات واللقاءات والإجتماعات التي تجري بعيداً عن الأضواء، إنما تصب في خانة رفع منسوب الحراك في الشارع على خلفية ما آلت إليه الأوضاع من تردٍّ وتدهور مريع، الأمر الذي قد يؤدي إلى ثورة إجتماعية يتحدّث عنها بعض السياسيين في مجالسهم الخاصة، وربما تتعدى ذلك إلى أعمال شغب وعنف وعصيان، وأكثر من ذلك يتم الحديث عن أن المخاطر ستشتد على لبنان في الايام القادمة ، في حال بقيت الأمور تسير بهذا الشكل المخيف.  

 

وفي هذا السياق، فإن هذه الأزمات مجتمعة تقابلها مخاوف من حصول تطوّرات، إن على صعيد التصعيد السياسي وارتفاع منسوب الإنقسام بين أبناء الصف الواحد على خلفيات رئاسية، إضافة إلى موضوع التعيينات الإدارية والأمنية والقضائية والمالية، بينما الطامة الكبرى تكمن في حصول حروب مصغّرة أو تصعيد ميداني في سوريا، وبمعنى آخر عودة السخونة من سوريا إلى العراق وغزة، وكل ذلك متوقّع بعد عطلة عيد الفطر. 

 

وهذا ما سيبقي الأوضاع في لبنان على ما هي عليه من تدهور وجمود إقتصادي وبطالة مستشرية، وهذه المؤشّرات برمّتها لدليل على صعوبة المرحلة وهشاشتها، بينما يبقى الأساس وما يثير الهواجس إنما يتمحور حول الملفات الإجتماعية والمعيشية والمالية، إذ يبقى أداة ومنطلقاً لإشعال الساحة السياسية. 

 

المشهد اللبناني في الطريق إلى محاولة نزْع فتائل الانفجار الكبير المالي  الاقتصادي عبر مفاوضاتِ الفرصة الأخيرة مع صندوق النقد الدولي على برنامج التمويل. 

 

وفي هذا الإطار، كشف مصدر مطّلع أن الهمّ الحكومي، ينصبّ على أمرين: محاولة ترميم تصدّعات الجبهة الداخلية، ووضع حدّ لأزمة تهاوي قيمة الليرة وتفلّت الدولار. 

 

سيدر والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، قطاع الكهرباء، والاتصالات، ومشاريع مكافحة الفساد، والتعيينات، جميعها ملفات وُضِعت على السكّة، بتأكيد المحيطين بدياب، فيما الأكثر إلحاحاً إيجاد حلٍّ فوري لفوضى سعر صرف الدولار ولجم الارتفاع الهستيري في أسعار السلع باعتبار أنها أولوية الأولويات.