في الذكرى السنوية العشرين لتحرير الجنوب اللبناني يحضرني حديث لرسول الله محمد (ص) يعبّر بدقة عن واقعنا، ذلك عندما أرسل سرية للجهاد، ولما عادوا قال لهم الرسول: “مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر” فقيل له: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ فقال: “جهاد النفس” ثم قال: “أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه”.

فإنّ لأبناء جنوب لبنان، والأصح أبناء “جبل عامل”، دور يتجاوز مسؤوليتهم في الحفاظ على أرضهم، من أي احتلال عسكري..

وهم الذين سطروا أروع الملاحم البطولية في تاريخهم الضارب جذوره في التاريخ، والجميع يعرف بطولاتهم ضد الصليبيين، وتحديهم لتسلط العثمانيين..

فقد اعتبر الرسول بأن القتال والجهاد العسكري هو جهاد أصغر، ومحدود، في قبال دور جهاد النفس، وتهذيبها..

 

طبعا لا أقصد بالإشارة لجهاد النفس ضرورة تحلي العامليين بالأخلاق السياسية الرفيعة فحسب؛ بل عليهم مسؤوليات كبيرة،  مسؤوليات تتجاوز حدود الجنوب، ولبنان، لتصل لدور الشيعة العرب، والشيعة عموما،  ومكانتهم في العالم الإسلامي..

 

هي مسؤوليات جسام تحملوها على امتداد قرون طويلة من الزمن. فقد اضطلع العامليون بأدوار جليلة، في الساحات الاسلامية والعربية، ويكفي استعراض دور بعض علمائهم في إيران والهند والعراق والكويت والبحرين وسوريا..

 

لنرَ حجم الدور الريادي الذي كان عليه الأسلاف في جبل عامل، وبذلك ندرك حجم الانحطاط الراهن.. اضطلع العامليون بأدوار جليلة، ويكفي استعراض دور بعض علمائهم في إيران والهند لنرَ حجم الدور الريادي الذي كان عليه الأسلاف وبذلك ندرك حجم الانحطاط الراهن!

 

فقد بلغت نسبة مؤلفات علماء جبل عامل الخُمس على مساحة العالم الشيعي، في حين أن عددهم لم يصل إلى واحد في المائة! ولم يقتصر الأمر على نتاجاتهم العلمية الغزيرة، ولا على تصدّر حوزة جبل عامل، التي كانت من أهم حوزات الشيعة في العالم؛ بل اضطلع علماء جبل عامل بدور ريادي، وتمكنوا من التغلغل إلى الكثير من الساحات، ففي عصرنا الراهن، وخلال النصف الثاني من القرن العشرين كان للشيخ محمد مهدي شمس الدين دور واضح في عدد من المجتمعات، وكذلك السيد محمد حسين فضل الله،  وقبلهما السيد موسى الصدر، وفي النصف الأول منه لعب أدوارا مميزة السيد محسن الأمين، والسيد عبد الحسين شرف الدين.. هذا على مستوى القرن الأخير، ولا يسعنا في هذه العجالة التطرق لنظرائهم خلال ألف عام، لكن لابأس بالإشارة للشهيد الأول، الشيخ محمد بن مكي، ابن بلدة جزين، والذي هو من كبار فقهاء عصره في القرن الثامن الهجري،  وكذلك الشهيد الثاني، الشيخ زين الدين بن نور الدين، ابن بلدة جبع، الذي هو من كبار فقهاء عصره أيضا في القرن العاشر الهجري؛ اللذان كانا من أصحاب المكانة المرموقة، وكان لهما تأثير في العالم الإسلامي..

 

وبالعودة لعصرنا: أي معنى لتحرير الجنوب إذا لم نحافظ على تركة الأسلاف! وأي أهمية لأبناء جبل عامل من دون قيامهم بالدور الفكري الجامع الذي اضطلعوا به سابقا! بل وأي معنى لتحرير الأرض من محور وربطها بمحور آخر؟! المسؤولية الأخلاقية تفرض على أبناء عاملة أن يكونوا جسر خير و محبة بين الشيعة والعالم العربي!

 

إن المسؤولية الأخلاقية تفرض على أبناء عاملة أن يكونوا جسر خير و محبة بين الشيعة والعالم العربي،  وهذا الدور الذي لا يمكنها أن تلعبه الحوزة في النجف الأشرف، وليس من شأن حوزة قم المقدسة القيام بها، ناهيك عن كونها ليست بهذا الصدد، لذا لا مناص لعلماء وأدباء ومفكري جبل عامل من إعادة الاعتبار للشيعة في محيطهم العربي والإسلامي،  وهذا هو “التحرير الأكبر” الحقيقي. أقول ذلك، كي لا يبقى  الكلام حول معاني التحرير  العسكري لجنوب لبنان على المستوى الوطني اللبناني فحسب، أو على صعيد التأثير على الصراع مع إسرائيل.. بل لنركز الكلام حول دور جبل عامل ورسالته في لبنان ومحيطه، بل والعالم؛ انطلاقا من قول رسول الله: “أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه”.