لا تنحصرُ إشكاليةُ التمديد في طرابلس، بل هي تبرز في مناطق أخرى، مثل صيدا وصور وجبل لبنان والبقاع، ولكنها ربما تكون أكثر نفوراً في عاصمة الشمال لأسباب يتداخل فيها الشخصيّ والعام، ولكن النتيجة واحدة، وهي المراوحة والتعطيل في دور دار الفتوى والأوقاف في النهوض بالمجتمع المسلم.
 

يحظى الشيخ محمد إمام بفرصةٍ لإعادة لمّ الشمل في طرابلس والشمال، بينما يهدّد التمديد للشيخ مالك الشعار بحصول تصدّعاتٍ خطرة في البيئة الإسلامية، وبردّات فعلٍ في الشارع لا تُحمد عقباها، فضلاً عن أنّ دار الفتوى تحتاج مرحلةً انتقالية هادئة للولوج إلى انتخابات المفتين، توصل المرشّح الأكفأ والأقرب للهيئة الناخبة، وتجدّد الحياة في مؤسّساتها الشرعية والوقفية، وتستجيب للتحديات المتنامية التي يواجهها المسلمون من الناحيتين الحياتية والوطنية. لا تعاني طرابلس عقماً في الحياة الدينية، فالعلماء الذين يصلحون لمنصب الإفتاء موجودون وتعرفهم طرابلس وتعرف مسالكهم وسِيَرَهم وتنتظر وصول أحدهم للخروج من دائرة الجمود المستحكم، فالشيخ محمد إمام ليس حالة منقطعة، بل إنّ المجتمع الديني في المدينة يعاني القمع السياسي الذي يرعى حالة التقهقر السائدة.

 

 

وبينما أعلن الوزير السابق أشرف ريفي رفضه القاطع التمديدَ للشيخ الشعار، بات معلوماً أنّ الرئيس نجيب ميقاتي يرفض إصرار الرئيس سعد الحريري على تكرار التمديد وعلى تجاهل قرار مفتي المجهورية والتمادي في تعطيل الدور الدستوري لمؤسسات دار الفتوى، وأنه سيتّخذ موقفاً ستكون له تداعياتُه السياسية المباشرة وغير المباشرة، كما أن الشارع والناس الثائرين لن يسكتوا على هذا التجاوز الذي يعطّل صلاحيات المؤسّسة الدينية وسيُفقدها حقـَّها في القرار والتشريع الذي تتمتّع به بموجب الدستور، وهذا أحد أخطر وجوه التلاعب والتحكّم الآحادي بدار الفتوى.

 

اقرا ايضا ; مخاطر التدخّل السياسي على دار الفتوى(1)

 

توضح مصادر متابعة هذا الجانبَ من كلام الرئيس ميقاتي بالقول: إنّ المرسوم الإشتراعي رقم 18/55 يُعطي الحقّ للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى أن يعدّل في المرسوم وصلاحيةَ التشريع في قضايا الأحوال الشخصية. تصدر القرارات عن المجلس الشرعي مجتمعاً، بما فيها تعيين وتكليف والتمديد للمفتين، وصدورُ القرار عن سماحة مفتي الجمهورية منفرداً لا يستجيب لمتطلبات القانون، وإن كان شخصه ومكانته يحولان حتى الآن دون المواجهة معه من المعارضين لمثل هذه القرارات المتأثرة بالسياسة. فعندما قام بالتمديد للمفتي الشعار في العام 2018، تقدّم عددٌ من أعضاء المجلس الشرعي بالطعن لإبطال التمديد أمام مجلس شورى الدولة، وتمّ التراجع عنه لعدم إحراج المفتي دريان، مع الوعد بإجراء انتخاباتٍ للمفتين، وهو ما لم يحصل نتيجة الضغوط التي يستمرّ الرئيس الحريري في ممارستها لمنع أيّ تغيير في مرافقها، وهذا أمرٌ لم يعد ممكناً الاستمرار فيه.

 

 

لا تنحصرُ إشكاليةُ التمديد في طرابلس، بل هي تبرز في مناطق أخرى، مثل صيدا وصور وجبل لبنان والبقاع، ولكنها ربما تكون أكثر نفوراً في عاصمة الشمال لأسباب يتداخل فيها الشخصيّ والعام، ولكن النتيجة واحدة، وهي المراوحة والتعطيل في دور دار الفتوى والأوقاف في النهوض بالمجتمع المسلم.

 

يؤكد المعارضون للتمديد للشيخ الشعار أنّ اعتراضهم لا ينطلق من خلفيّات شخصية، رغم أنه انحاز بشكلٍ استفزازي للرئيس الحريري، إلاّ أنّ مصدر الاعتراض الأساس اليوم يتمثـّل في الآتي:

 

ــ أنّ التمديد للشيخ الشعار لن يُحدث أي تغيير في أوضاع دار الفتوى والأوقاف الإسلامية، في حين أن التغيير بات ضرورةً مُلحّة بسبب الاحتياج لدور الأوقاف في هذه الأزمة، حيث لدى الأوقاف عقارات تصلح للزراعة في الأرياف وتمتلك عقارات في طرابلس ومراكز قضاءي المنية الضنية تصلح للاستثمار في تطوير الخدمات للناس، في وقت قطعت فيه المرجعيات الدينية الأخرى أشواطاً بعيدة في احتضان رعاياها. ــ أنّ صلاحية المجلس الشرعي التشريعية والتقريرية باتت على المحكّ وهي معرّضة للتعطيل الدائم، لأن أيَّ مؤسّسةٍ لا تحترم قراراتِها تفقدُ قدرتـَها على الاستمرار.

 

ــ أنّ تعطيل دور المجلس الشرعي والحؤول دون قيامه بمهامه على مدى عقودٍ طويلة، بسبب غاياتٍ سياسية حزبية وشخصية، سيُفقده، مع مرور الوقت، دورَه التشريعي بحكم العُرف المتراكم. فغيابُ التشريع وانعدام القدرة على تطبيق النظام والقانون، يجعل المجلس مؤسّسةً فاقدةً للقرار، ويصبح من الصعوبة بمكان العودة إلى أصل الصلاحيات المثبتة بموجب الدستور. وهذا لا يتناول فقط مسائلَ التعيينات الوظيفية، بل يمتدّ ليشمل الصلاحيات التشريعية في شؤون المسلمين، وهنا بيت القصيد.

 

إنّ عدم ممارسة الصلاحيات يُفقِد القدرة على تطبيقها بعد سنواتٍ من الإهمال، ويعلم المعنيون أنّ دار الفتوى في لبنان واقعة ضمن دائرة الاستهداف في المشروع الإيراني الذي استولى على قسمٍ من الأوقاف في مناطق عدّة بذريعة عدم اتضاح هويتها (المذهبية)، وهو طالما سعى لاقتسام الإفتاء وفرض "المداورة" فيها، واستكمال الاستيلاء على الثروة الوقفية لأهل السنّة، وما جرى في العراق من استيلاء على الأوقاف السنية نموذج لما يمكن أن يكون عليه الحال في لبنان في حال استمرار التردّي في أوضاع دار الفتوى.

 

 

ليس هذا تهويلاً ولا تضخيماً لإشكالية التمديد لمفتٍ في هذه المنطقة أو تلك، لكنها عينُ الاستشراف التي توجب التحذير من التمادي في مراعاة رغبات طرفٍ واحد، هو الرئيس الحريري، الذي لم ينظر إلى دار الفتوى إلاّ كوسيلة تسويق خاصة لوجوده السياسي، وهو ليس لديه اهتمام بمستقبل الدار ومصيرها، فجلُّ اهتمامه "مستقبله" الخاص فقط، فضلاً عن تجاهله للمخاطر التي تُحدق بالوطن مع تصاعد الصراع على هوية ومصير لبنان: هل سيبقى عريباً أم يتحوّل محافظة إيرانية، وعندها لن تبقى الدار ولا أهلها سيبقون.