لماذا كسرُ قرار مفتي الجمهورية بفرض التمديد للشعار؟
 

تنتهي آخر شهر أيار الجاري فترةُ التمديد الثانية التي قرّرها مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف لمفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار لمدة خمسة أشهر (من 1-1-2020 لغاية 31-5-2020)، على أن يتولّى أمين الفتوى في طرابلس الشيخ محمد إمام مهامّ إفتاء طرابلس فور انتهائها، إلى حين انتخاب مفتٍ أصيل.  صدر قرارُ المفتي دريان حينها بدون العودة إلى المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، واعتُبر مخرَجاً وحلاً وسطاً بين التمديد سنة جديدة كما كان يريد الرئيس سعد الحريري وبين الاعتراض على التمديد الذي كان يرفضه الرئيس نجيب ميقاتي والوزير السابق أشرف ريفي والنائب فيصل كرامي وعموم الجسم الديني وفعاليات المجتمع المدني.  انتهى القرار بعدم رضا جميع الأطراف، فاعتكف المفتي الشعار ولم يحضر إلى دار إفتاء طرابلس إلاّ لِماماً لأنه كان يطمح للتمديد سنة كاملة واعتبر ما حصل "إهانة" له، واندلعت احتجاجاتٌ في الشارع وصلت إلى منزله، ومضت الأشهر الخمسة في جمودٍ مسيطر على الدار، ومقاطعة من مجمل القيادات الطرابلسية للشعار.

يستعدّ المعنيّون للمرحلة الإنتقالية في إفتاء طرابلس، بحيث يتولّى الشيخ محمد إمام مهامّ المفتي، وهو الذي سبق أن قام بهذه المهمّة مرّتين:  الأولى عندما إستقال المفتي الراحل المرحوم الشيخ طه الصابونجي. والثانية عندما غادر المفتي الشعار إلى فرنسا في العام 2012. أدار الشيخ إمام شؤون دار الفتوى بتوازنٍ واستقلالية، وهو الذي يحظى أصلاً باحترام وثقة الجسم الديني، بينما يلجأ له عموم المسلمين لتحكيمه فيما يشجُر بينهم من خلافاتٍ في شؤونهم العامة والخاصة، وهذا يُظهر ما له من مكانةٍ وإجماع لدى النخب والجمهور على حدٍّ سواء. وبينما اطمأنّ الطرابلسيون إلى أنّ نهاية شهر أيار ستشهد تطبيق قرار مفتي الجمهورية، تسرّبت معلومات عن تحضير الرئيس سعد الحريري لانقلابٍ على قرار المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان بفرض تمديدٍ جديد للشيخ الشعّار وفق خُطّةٍ مُرَكّبة تتضمّن مراحل متدرّجة، تتضمّن الآتي: ــ ممارسة ضغوط مشدّدة على الشيخ محمد إمام للاعتزال والامتناع عن استلام مهامّ مفتي طرابلس. ــ الضغط على الشيخ إمام للخروج نهائياً من دائرة الترشّح لمنصب المفتي في حال حصول الانتخابات. ــ يفتح تخلّي الشيخ إمام (المفترض) عن مهامّه البابَ لنسف قرار المفتي دريان بعدم التمديد للشيخ الشعّار ولإعادة تكليفه "إلى حين إجراء انتخابات للمفتين في المناطق"، وهو أمرٌ لن يحصل في المدى المنظور.

هذا التوجّه لدى الرئيس الحريري اعتبره عدد من أعضاء المجلس الشرعي في طرابلس بمثابة استهدافٍ لمقام مفتي الجمهورية، وهو يُلحق أضراراً بالمؤسّسة الدينية الأم، متسائلين عن الأسباب الموجبة والقاهرة التي تدفع إلى تهميش هذا المقام بكسر قرارٍ واضح وغير قابل للتأويل أو الاجتهاد، فمن غير اللائق فرضُ التراجع على سماحة المفتي بهذا الشكل الفجّ، بدلاً من تحصين مقام الإفتاء في هذه الظروف الاستثنائية التي يواجهها البلد وتستلزم قيادةً تحظى بالإجماع والحكمة والشجاعة في الحق، كما هو مسار مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان.

يُصِرّ الرئيسُ الحريري على تجاوز فعاليات طرابلس أيضاً، ويتعاطى معها باستهتارٍ شديد، وهو المنقطع عن الحوار معها، مما خلق جواً سلبياً جديداً تجاهه يضاف إلى الإشكاليات المعروفة في السياسة والإنماء وطبيعة التمثيل النيابي الذي فرضه على المدينة.

لم تظهر على الشيخ إمام بوادرُ التراجع أو الإنكفاء حتى الآن، لكن يبدو أنّ الرئيس الحريري يراهن على مسألتين: ــ الأولى: تقوى الشيخ محمد إمام ووَرَعُه وخوفـُه على دار الفتوى ومصالح المسلمين وكرهه للفتن والنزاعات، وزهده بالمناصب والمواقع، فيأتي من يصوّر له بأنّ تمسّكه بمهامّه سيؤدّي إلى فتنة وإلى صراعات داخل دار الفتوى وخارجها لدفعه إلى التخلّي عن دوره المنتظر، بينما وجودُه في المؤسّسة ضمانة استقرار. ــ الثانية: ممارسةُ ضغوط إضافية على مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان لتشجيع الشيخ إمام على التنحّي، وقد علم "أساس" أنّ "موفدين" موظّفين من الفئة الرابعة، من قبل الرئيس الحريري يقصدون سماحة المفتي دريان، ليبحثوا معه في هذا الملف.

لكن عنصراً جديداً طرأ على الموقف تمثّل في القرار الذي اتّخذه رئيس الحكومة حسان دياب بعدم التجديد أو التمديد لأحدٍ في موقعه في الإدارات العامة. وتناول العضو السابق في المجلس الشرعي المحامي همام زيادة، الأثر المعنوي والعملي لهذا القرار فأوضح أنّ الصلاحيات الإداريّة في مؤسسات دار الفتوى محصورةٌ بالمرجعية الدينية، وليس لرئيس الحكومة سلطةٌ مباشرة على مفتي الجمهورية، لكن رئيس الوزراء يمكن أن يعرقل شؤون المفتي إذا لم يكونا على توافق، كما هو الحال مثلاً في التعيينات الصادرة عن مفتي الجمهورية بصفته رئيس مجلس القضاء الشرعي الأعلى، فهي تحتاج أيضاً موافقة رئيس الحكومة، لهذا يخلص زيادة إلى ضرورة أن تكون العلاقة سوية بين المرجعيتين الدينية والسياسية، فرئاسة الحكومة هي المرجع للقضاء الشرعي ومراسيمُ التعيين والنقل للقضاة الشرعيين لا تتمّ إلاّ بموافقة رئيس الحكومة.  رغم أنّ المفتي المعيّن أو الممدّد له لا يتقاضى راتباً من رئاسة الحكومة، بل مخصّصات من دائرة الأوقاف، إلاّ أن الدائرة تنوء بأثقالها، والتعقيدات السياسية وتفاقم الخلاف حول هذا الملف سيجتذب تدخل كثيرين، منهم الرئيس دياب، فهل سيكون من السهولة تجاوز هذا القرار مع الموانع الأخرى للتمديد للشعار؟