في وقت يستعد فيه لبنان لاستقبال الدفعة الثالثة من طائرات الإجلاء، اليوم، لا تزال الحكومة مصرة على التعاطي مع العملية بالطريقة نفسها التي رافقت التجربتين السابقتين. تعوّل الدولة على «ضمير» العائدين في التزامهم بالحجر المنزلي، علماً بأن التجربتين أثبتتا أن فكرة الحجر المنزلي «الطوعي» ليست ناجعة، وبات المطلوب اليوم أن تحجرهم على عاتقها، فهل تفعل قبل فوات الأوان؟
 

كتبت صحيفة الاخبار اليوم تسع إصابات جديدة سجلها عداد كورونا، أمس، ليرفع عدد المصابين إلى 879. ما بين تقرير وزارة الصحة العامة صباحاً الذي أعلن عن 8 إصابات وتقرير مستشفى بيروت الحكومي مساء الذي أعلن عن الإصابة التاسعة، عادت «سحبة» الحالات «الإيجابية»، منذرة بالسيناريو الأسوأ الذي قد يخرج لبنان من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الانتشار. ولئن كان لبنان لا يزال اليوم في «الاحتواء»، إلا أن الاستهتار بالإجراءات قد يدفع إلى المكان الذي لا تحمد عقباه، والذي لا طاقة للقطاع الصحي الاستشفائي على احتوائه.

 


اليوم، «الرقم هو الذي يحسم الأمور كلها»، على ما تقول مصادر وزارة الصحة. «لوين رايحين؟»، الجواب على هذا السؤال رهن بالأرقام التي ستنتج عن الفحوص التي تجريها وزارة الصحة، والتي لامست أمس حدود الـ2000 موزعة بين بعقلين (الشوف) والبابلية وجزين (الجنوب). في الأيام الأربعة الأخيرة، لم تكن الأرقام مطمئنة. بتعبير أدق، «كانت صادمة»، هذا ما قاله وزير الصحة العامة، حمد حسن، خلال جولته التفقدية للمستشفى الحكومي في دير القمر أمس، محذّراً من «خطر التفشي المجتمعي الوبائي». مع ذلك، فإن أمراً واحداً قد يسقط هذا الخطر: «الوقاية والالتزام». فهذان العاملان أساسيان ومفصليان في مسار الفيروس. وكما في الأيام الأولى لبدء الإصابات، لا يزال الناس هم المعيار. ودرجة التزامهم بالحجر المنزلي والوقاية هي التي تحدد: إما الاحتواء أو بدء الموجة الثانية.

 


في التفاصيل، سجل عداد كورونا أمس 9 إصابات، 6 منها لمقيمين وثلاث لوافدين من الخارج. لكنها، لن تكون تلك آخر الأرقام، خصوصاً أن فحوصاً كثيرة تجرى يومياً لم تصدر نتائجها بعد. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يبدأ اليوم وصول الدفعة الثالثة من طائرات الإجلاء التي قد تحمل على متنها نحو 19 ألف مغترب. رقم ينذر وحده بالسيناريو المتوقع، خصوصاً أن لبنان لم يلملم بعد تداعيات عودة الدفعة الثانية التي أعادت الزخم إلى عداد «كورونا». ومن المفترض أن تستعيد الدولة، مع الدفعة الثالثة، الإجراءات نفسها التي اعتمدتها سابقاً، خصوصاً لناحية «التقسيم»، أي توزيع الحالات التي تثبت إصابتها على المستشفيات وإرسال أصحاب النتائج السلبية إلى الحجر المنزلي. لكن، ما هو مفترض قد يسقط إذا ما أخذ في الاعتبار «فلتان» العداد الذي رافق طائرات العودة. فالتجربة أثبتت أن الحجر المنزلي لم يكن حلاً ناجعاً للاحتواء، بل على العكس، ما فعله هذا الأخير أنه أسقط صفة الأمان عن كثير من الأماكن التي كانت حتى وقت قريب خارج الدائرة المصابة. لم يلتزم كثيرون بالحجر. قد تكون هذه مسؤوليتهم، لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الدولة التي لا تزال تسير على وقع إجراءات لم تعد تؤثر في «وعي الناس». من هنا، الأولى بالدولة أن تعدّل إجراءاتها في ما يخصّ التعاطي مع 19 ألف عائدٍ من بلدان موبوءة. وبما أن «خلاصة» التجربتين السابقتين لم تكن مشجّعة، خصوصاً لناحية الاتكال على ضمير العائدين، يفترض بالدولة السير على خطى دولٍ أخرى، ومنها فلسطين التي عملت على حجر العائدين، وإن على نفقتهم الخاصة. وفي هذا الإطار، تشير المصادر إلى أنه جرى طرح هذا الموضوع على طاولة مجلس الوزراء، وقد أخذ حيّزاً من النقاش، من دون أن يكون هناك قرار نهائي. وخلال إحدى الجلسات «اقترح وزير الاقتصاد والتجارة، راوول نعمه، أن تحجر الدولة على العائدين، على أن يستعان بالمعسكرات التابعة للجيش لهذه الغاية، وهو ما أيّدته نائبة رئيس مجلس الوزراء وزيرة الدفاع زينة عكر، مبدية استعداد الوزارة للمساعدة». كما «أبدت مؤسسات تابعة للأمم المتحدة استعدادها أيضاً للمساعدة».

 


مع ذلك، لا قرار إلى الآن، فيما يستعد لبنان لمواجهة التحدي القادم وفي جعبته تجربتان لم تكونا استثنائيتين لناحية العمل على احتواء المرض أقله. فهل تسير الدولة على خطى ما فعلته الدول الأخرى، خصوصاً أن الأوان لم يفت بعد؟ وهو ما لفت إليه حسن، عندما أكد «أننا لسنا مهددين بأمننا الصحي إلى الآن، طالما أننا نسيطر على العدوى». المجال مفتوح أمام السيطرة، ولكن على قدر ما تتخذ الدولة من إجراءات تتعدى إقفال البلاد لأيام معدودة.

 

 

وقبل البدء بتحدي اليوم، لا يزال الوضع مستقراً نسبياً، ذلك أن أعداد الإصابات التي سجلت أمس بين المقيمين كانت تعود لمخالطين، ولم تسجل الأيام الأخيرة أي إصابات مجهولة المصدر. وهو ما تعوّل عليه وزارة الصحة. ومن جهة أخرى، التعويل المضاف في تخفيف الأعداد المصابة على «التزام الناس بإجراءات الحجر»، على ما يقول حسن. لأن ما دون ذلك، الطريق سالكة «نحو الانتشار»، على ما قال «تجمع الأطباء» الذي اجتمع أمس بدعوة من نقابة الأطباء. وإذ حمّل هؤلاء المواطنين مسؤولية التراخي في الإجراءات المفروضة، إلا أنهم لم يعفوا الدولة التي أجازت «التراجع التدريجي في الحجر الصحي قبل التخطي الكلي للخطر في المرحلة الأولى». وإذ أعادت النقابة التذكير بالتوصيات العامة، إلا أنها دعت الى التريث في إعادة العمل في بعض القطاعات، وإعادة النظر في قرار فتح المجمعات والمحال التجارية الكبرى والمطاعم ودور العبادة، وتأجيل فتح المدارس والجامعات ودور الحضانة (...). وحذرت من أنه «إذا ما عاد الوباء للانتشار بأعداد كبيرة في فترة وجيزة، فلا قدرة لنا على مواجهته». وهو ما حذّر منه أيضاً رئيس اللجنة الصحية النيابية، عاصم عراجي، مطالباً بإجراءات أكثر تشدداً، ذلك أن «قرار الإقفال الذي اتخذته الدولة لا يحد من انتشار الفيروس». وأسف الأخير لما «قام به بعض العائدين من الخارج لجهة مساهمتهم في نشر الفيروس وزيادة عدد الحالات»، مشيراً الى أن «من حقهم العودة، ولكن من حق اللبنانيين عليهم الحفاظ على سلامتهم».

 


وكانت لافتة أمس تغريدة على «تويتر»لمستشارة رئيس الحكومة للشؤون الصحية، بترا خوري، أشارت فيها الى أن لبنان «تخطى الرقم 2» في إعادة إنتاج الفيروس. وأشارت إلى أنه «قبل بدء تخفيف قيود التعبئة العامة، كان رقم التكاثر أو إعادة إنتاج الفيروس، ويرمز إليه بالحرف «R» اختصاراً لكلمة Reproduction، أقل من 0.5، أمّا اليوم فبات يتخطى الـ2»، محذرة من أنّ «هذا الارتفاع المقدّر بـ1.5 نقطة يشير إلى أن فيروس كورونا ينتشر بسرعة في لبنان».