يبقى القول هنا، أن الخيارات الاستراتيجية الكبرى، لا تؤخذ بالمداورة وغب الطلب، وبعد فشل تجارب سابقة، وإنما عظمة القيادة وحكمتها إنما تقاس بدراسة كل الظروف الموضوعية وموازين القوى على أرض الواقع ومن ثم تحديد مصلحة البلاد والعباد إن حربا أو سلما أو صلحا، وليس على قاعدة خلينا نجرب !
 

أثارت تغريدة المرشد الاعلى للجمهورية الايرانية الاخيرة بمناسبة ولادة الامام الحسن المجتبى، الامام الثاني عند شيعة أهل البيت بعد أبيه الامام علي بن ابي طالب، الكثير من التأويلات والجدل عند المراقبين والمتابعين للاوضاع الايرانية، بالخصوص في ظل ما يعانيه النظام الايراني من أزمة إقتصادية حادة أوصلت هذا النظام وباعتراف كبار المسؤولين فيه إلى حدود غير مسبوقة منذ قيام الثورة الاسلامية سنة 1979 وسقوط الشاه البهلوي واستلام الإمام الخميني الحكم فيها.

 

 

ومن المعروف أن الامام الحسن (ع)، قد نحى منحى مختلف تماما عن منحى أخيه الحسين وحتى عن أبيه الإمام علي، إذ عقد مع ألدّ أعدائه معاوية بن أبي سفيان (حاكم الشام) اتفاقية صلح تنازل بموجبها عن حقه بالخلافة والاعتراف لمعاوية بالخلافة مقابل شروط معينة أهمها عدم ملاحقة شيعة الحسن وأتباعه وأن يكون الحسن هو الخليفة بعد معاوية وأن يترك للامام الحسن ما في بيت مال الكوفة ويقضي عنه ديونه ويدفع له كل عام مائة ألف، وغيرها من البنود.

 

  لا شك ولا ريب بأن خطوة الإمام الحسن هذه أحدثت صدمة إيجابية كبرى في العالم الاسلامي (عام الجماعة) لم يكن أتباع الحسن ليتوقعوها، حتى أن أصحابه من حملة الرؤوس الحامية استنكروا فعلته وشنوا عليه حملات إعلامية جارحة فاتهموه بالجبن والخوف والحرص على حياته ووصل بهم الأمر من التطاول عليه لدرجة أن أطلقوا عليه لقب "مذل المؤمنين" .

 

اقرا ايضا : لبنان آخر رهينة إيرانية في المنطقة

 

وإن كنا هنا لسنا بوارد الحديث التاريخي عن هذا الصلح والاسباب الموجبة وما هي التبريرات التي يسوقها متكلموا الشيعة للدفاع عن خطوة إمامهم، إلا أن الثابت في الموضوع أن الامام الحسن قرأ بعين المسؤول السياسي وعرف ببديهية المتابع لأدق التفاصيل أن تفاوتا كبيرا بموازين القوة بين المعسكرين وأن الاستمرار بالحرب يعني الهزيمة النكراء والانتصار المحقق لجيش معاوية وبالتالي كانت خطوة الصلح هي الخيار الانسب للخروج بأقل الخسائر.

 

 

وهذا لا يعتبر سابقة تاريخية، ولا هي خطوة غير مسبوقة بين الخصوم قبل هذه الحادثة وبعدها ولعل وصف الخامنئي للامام الحسن بخطوته هذه وخيار الصلح الذي أقدم عليه بالعمل الشجاع فيه الكثير من الحقيقة، فالقيادات الشعبوية التي لا تتقن إلا محاكات عواطف الاتباع هي أميَل دائما لخوض الحروب والدفع بالأتباع نحو التهور والتحدي وخوض الغمار بالناس والاتباع مع معرفتهم المسبقة بالنتائج المترتبة والخسائر المتوقعة، إلا أن ظهور القائد بمظهر الشجاع القوي المقدام هي ما تكون الاساس بعقلية القيادات المتهورة على عكس القيادة الرزينة التي تتطلع إلى مصلحة شعوبها وحياتهم أكثر من ما يحب أن يكتبه التاريخ عنهم وما سوف يتحث به الناس عن خطواتهم.

 

 

وبالعودة إلى تغريدة الخامنئي، وما يقرأ من خلالها عن ميل لدى المرشد بالانحياز الى "الخضوع" للارادة الاميركية ومحاولة إسقاط صلحة الحسن على ما ينويه وما قيل أنه بداية إرهاصات هذه المرحلة بدأت بالتمظهر من خلال التسليم بحكومة مصطفى الكاظمي بالعراق، وما سرب من لقاءات بين وفد ايران رفيع المستوى بقيادة مستشار الامن القومي علي شمخاني مع مسؤولين اميركيين في سلطنة عمان، وما يحكى عن سحب إيران لجزء كبير من مقاتليها المتواجدين على الاراضي السورية، كل هذا وغيره مما يؤشر إلى بداية مرحلة.

 

 

يبقى القول هنا، أن الخيارات الاستراتيجية الكبرى، لا تؤخذ بالمداورة وغب الطلب، وبعد فشل تجارب سابقة، وإنما عظمة القيادة وحكمتها إنما تقاس بدراسة  كل الظروف الموضوعية وموازين القوى على أرض الواقع ومن ثم تحديد مصلحة البلاد والعباد إن حربا أو سلما أو صلحا، وليس على قاعدة " خلينا نجرب " !

 

 

فالذهاب بالخيار الحسيني وشحذ الهمم والتسويق للقوة والدعاية المضللة لامتلاك إمكانيات النصر المبين وتدفيع البلاد والعباد خسائر فادحة في الارواح والانفس والاموال وبعد الفشل والهزيمة والانهيار وظهور الحقيقة المرة وتهافت الشعارات الرنانة، فنقول حينئذ تعالوا لننتقل إلى خيار آخر من دون أي تحمل للمسؤولية عن خطأ وسوء التقدير في ما سبق، فهذا لعمري يعتبر قمة اللا مسؤولية والاستهتار في أرواح الناس وممتلكاتها،وهذا للأسف ما يتقنه الاسلاماويون، فلا مسؤوليات ولا من يحزنون بل القاعدة المتبعة التي ما أنزل الله بها من سلطان هي فقط "اجتهد فأخطأ"

 

   وعليه نعم يحق للنظام الايراني أن يختار الآن مهادنة أميركا وأن يخضع للاملاءات الاميركية ولكن ليس قبل محاسبة وتنحية رأس النظام الذي  فوت على الشعب الايراني وشعوب المنطقة ونحن منهم فرص عديدة قدمت لإيران كي تكون جزء من المنظومة الدولية وأن تعيش ضمن المنطقة بسلام بكامل إرادتها، بعيدا عن لغة التصدير والقوة الوهمية، فكانت لو اختارتها قد وفرت عليها وعلينا الكثير الكثير من التضحيات المجانية .