من هنا فقط يمكن أن نفهم خطوة حزب الله في لبنان وذهابه إلى الأمام عبر تشكيل حكومة من لون واحد، باعتبار أن لبنان هو المعقل الأخير للنفوذ الإيراني في المنطقة.
 

باتت تدرك إيران أخيرا بأن القرار الدولي الذي تقوده أميركا بإدارة ترامب والقاضي بإنهاء نفوذها في المنطقة وبالعمل على إعادتها إلى داخل حدودها الدولية صار ادأمرا حاصلا وواقعا لا مفر منه.

 

 

 فها هي تخسر الساحة السورية وبطريقة مذلة، فالضربات الاسرائيلية شبه اليومية على المواقع التابعة لها تزداد حدة وقوة بدون أي إمكانية للرد أو للردع وهي (ايران) تعلم جيدا بأن هذه الضربات لا يمكن أن تحصل بهذه الوتيرة إلا بموافقة روسية وعدم معارضة من النظام السوري نفسه، حتى أن مقاتلي الحزب المتواجدون على الجغرافيا السورية صاروا يشعرون بأنهم أهدافا سهلة للطائرات الاسرائيلية، يضاف الى ذلك أن العدو يعمل على التغيير النمطي للضربات، ولم يعد يحرص على عدم سقوط قتلى كما جرت العادة، فالمعلومات تقول بأن الغارات الأخيرة استهدفت مقاتلين للحزب وسقط له شهداء.

 

اقرا ايضا : الثورة والوعي السياسي

  كما وأن نظام الأسد المترنح أصلا بخلافاته الداخلية صار هو الآخر يعتبر أن بقاء إيران واستمرارها يشكل عبئا ثقيلا لم يعد باستطاعته تحمله، وأن الأثمان الضخمة التي يدفعها بشار الاسد روسيا وعربيا لقاء ذلك صارت بمثابة أثقال على كاهله قد تهدد وجوده بالسلطة وما خروج الخلافات مع ابن خاله رامي المخلوف إلى العلن إلا واحدة من هذه المؤشرات، مما يعني أن إعلان خروج إيران من سوريا بات قاب قوسين أو أدنى.

 

  وكذلك هي الحال بالنسبة للساحة العراقية، فحكومة الكاظمي هي بمثابة ورقة النعوة للنفوذ الايراني، بعد أن قالت أميركا كلمتها بهذا الصدد ويتناغم معها معظم القوى العراقية (حتى المقربة من النظام الايراني)، التي تعلم أن الاعتراض على الرغبة الاميركية يعني المزيد من العقوبات وبالتالي المزيد من الافقار والغرق في بحر من الأزمات لا يقوى المجتمع العراقي على تحملها.

 

  من هنا فقط يمكن أن نفهم خطوة حزب الله في لبنان وذهابه إلى الامام عبر تشكيل حكومة من لون واحد، باعتبار أن لبنان هو المعقل الأخير للنفوذ الايراني بالمنطقة، فالإمساك بالورقة اللبنانية بكل تفاصيلها وبالأخص بالسلطة التنفيذية  هو مطلب لا مفر منه، وما دفاع السيد بكلمته الأخيرة ودفاعه الواضح عن حكومة دياب وهو الذي حرص منذ اليوم الأول للقول بأنها ليست حكومته ولا علاقة له بتشكيلها، وحاول أن يوهم اللبنانيين ومن خلفهم المجتمع الدولي بأنها حكومة تكنوقراط مستقلة! ليأتي الدفاع عنها ودعمها والحرص عليها علنا وعلى رؤوس الأشهاد لينسف كل مسعى سابق، وهذا ليس بريئا أو نتاج خطأ، بل باعتقادي أنه عن سابق تصور وتصميم للقول لمن يعنيهم الأمر أن لبنان ودولته وقراره صار بالقبضة الايرانية وأن أي مقاربة للساحة اللبنانية يجب أن تكون من هذه الزاوية حصرا.

 

 

يعرف حزب الله جيدا بأن الإمساك بناصية القرار اللبناني بشكل مباشر، يعني وضع البلد بمواجهة المجتمعين الدولي والعربي، في لحظة لم تعد تنفع كل تلك الألاعيب القديمة التي كانت مسموحة، فلا رسالة "الفاخوري" لها محل، ولا اللعب بورقة جبهة الجنوب تنفع، وحتى الذهاب إلى صندوق النقد الدولي والتسليم لشروطه على الطريقة اللبنانية (الطائف – 1701 – 1559 ..) على قاعدة أعطونا أموالكم وبعد ذلك نعرف كيف ننكث بالالتزامات هذا الزمن قد ولى. 

 

 

وعليه فإن حزب الله الآن بموقع المحاصر الذي يلعب ورقته الأخيرة بأخذه لبنان رهينة ويصوب المسدس على رأسه، إلا أن ما يجهله (أو يعلمه) أن الطرف الآخر هذه المرة لا يمانع البتة بالقضاء على الرهينة للوصول إليه .