حتى هذه اللحظة، لا يمكن التأكيد على أسباب الحملة المستجدة على حاكم مصرف لبنان، فقد كان لسنوات محط كيل الثناء العام الدولي والمحلي، على جدارته وإدائه المميز، في وضع تعجز عنه كل الهندسات المالية في تحقيق توازن، ولو موقت، في قدرات العملة الوطنية على تحمّل الضغط المستمر عليها. سيناريوهات كثيرة طُرحت حول خلفيات هذا الهجوم، على الحاكم والمصرف، ولكن يمكن أن تتلخّص في ما يلي: أولاً، إيجاد كبش محرقة لتوجيه الأنظار عن مكمن العطب الرئيسي في إدارة الوضع المالي في البلد، وبالتالي تحييد السلطة عن تحمّل اللوم.

 

ثانياً، الانتقام من الحاكم من قِبَل «حزب الله»، لعدم تعاونه معه في التحايل على العقوبات المفروضة على المنظومة المالية للحزب. هذا مع العلم، أنّه لو فعل وتجاوز العقوبات، لكان الوضع المالي الحالي أسوأ بكثير مما هو عليه.

 

ثالثاً، لقد أصبح واضحاً حساسية رئيس التيار الوطني الحر، وولي العهد، من أي شخصية مارونية قد تشكّل نوعاً من المنافسة على موقع رئاسة الجمهورية. ومن هنا، فإنّ إقصاء الحاكم سيضعه في موقع الاتهام أو في عالم النسيان. هذا بالإضافة إلى سعيه لوضع أحد أتباعه في كل موقع ممكن من المواقع الأساسية في لبنان.

 

لكن ركاكة وضعف أسس الهجوم الذي أُوكل به رئيس الحكومة على الحاكم، استدرج أركان الحكم إلى ملعب لا أحد يتقن اللعب على أرضه مثل رياض سلامة ذاته. ما فعله بردّه التقني القانوني، وإن كان كأنّه يتحدث بلغة أهل المريخ بالنسبة للعامة، لكنها حسبما يبدو دفعت كل من هاجمه إلى ابتلاع ألسنتهم، إما لجهلهم بكيفية الرد، أو لأنّهم اكتشفوا أنّهم وقعوا بمقلب لا قدرة لهم على الخروج منه.

 

لا أريد هنا أن أمدح حاكم المصرف ولا أن أذمّه، فهذا ليس بيت القصيد. لكن، لا الحاكم ولا المصرف كيانان مستقلان عن الواقع التعيس للمؤسسات القائمة في لبنان. فالمصرف يضع سياساته بناءً على الوقائع المتمثلة بسياسة الدولة، ويقوم بالهندسات المالية لتغطية الحاجات الناجمة عن قرارات الدولة. وأي محاسبة هنا للحاكم يجب أن تستند، إما إلى ملف جنائي يتعلق بسوء الأمانة، أو إلى مخالفة واضحة لسياسة الدولة، أو إلى تخريب مقصود، يصل إلى حد الخيانة العظمى، أو إلى عدم كفاءة في التصرّف والإدارة. وكلها أمور لا يمكن عندها التصرّف بخفة وتدوير الزوايا، بل على السلطة أن تكف يده وإجراء تحقيق خبير بخصوص تلك الاحتمالات بدل إلقاء اتهامات غامضة، والتراجع عنه بصورة مثيرة للسخرية، أو السكوت الغبي كما يحدث حتى الآن.

 

ما يجب أن تُقدم عليه السلطة هو الذهاب إلى حلول مجدية، وإن كانت غير ممكنة، بناءً على واقع سيطرة المرشدية على القرارات السياسية والمالية اليوم. الحل يبدأ بالسياسة أولاً، أي بإعلان التبرؤ من سياسات المحاور التي أدخلت لبنان في عمق الصراع الذي دفع ثمنه منذ سنة 1969. وهو أيضاً الذي أدخل لبنان في حروب أهلية شبه مستمرة، منعت إمكانية استثمار، كان سيكون مجدياً لتفادي ما وصلنا إليه اليوم من سقوط مدوٍ. يعني بالترجمة العملية، أن يعلن «حزب الله» تبرؤهِ من الصراعات القائمة في المنطقة، ووضع كل إمكانياته وخبراته العسكرية تحت أمرة الرئيس القوي، حامي المقاومة وراعيها. ومن ثم التعاون مع صندوق النقد الدولي بناءً على ما هو ممكن وما هو نافع لوقف التدهور المالي. من ثم القيام بحملة دبلوماسية لتصليح العلاقات مع من يمكنه أن يفيد لبنان ويساعده في الصمود. وبالتالي تغليب منطق المصلحة الوطنية الفعلية على لغة العزة والكرامة، واتهام كل من له رأي بذلك بالداعشية أو بالعمالة للعدو الإسرائيلي، فما المقصود هنا هو ليس الحياد في مواجهة إسرائيل، بل بوضع كل مشاريع المقاومة تحت سلطة الدولة. وإن كان هناك من يريد أن يطرح تغيير نِسب تقاسم السلطة المذهبية في هذه اللحظة، فما عليه إلّا طرح الأمر بشكل صريح، ليتمّ بحثه من دون خسائر لا طائل لها.

 

النظام القائم منذ الاستقلال يحمل في طيّاته بذور فساد، لكونه استند إلى مبدأ الشراكة الوطنية، وهي التي انتهت بشركة مساهمة، مجلس إدارتها زعماء الإقطاع السياسي الطائفي، والذين انبتوا من حولهم تشعبات واسعة لارتزاق العامة على حساب المال العام. وهذه الشركة هي التي منعت أي إصلاح سابقاً، ولا تزال حتى اليوم تقف بوجه كل إصلاح مفيد لبنية النظام السياسي والإداري والاقتصادي. يعني أنّه ليس من الممكن وقف الهدر من دون طرد عشرات الآلاف من الموظفين بالإسم، الذين لا جدوى من وجودهم. لكن ذلك سيؤدي حتماً إلى طرح مسألة من اغتنى إلى حد التخمة من المال العام على خلفية الشراكة الوطنية، أي تلك التي أعطت الفرصة لرموز مجلس إدارة الشركة الوطنية للغرف من رأسمالها تحت شعار السلم الأهلي وحقوق الطوائف. ولا حاجة للبحث كثيرا، فمظاهر الثروة فاقعة عليهم ولا مجال لإخفائها، مع العلم بأنّ الظاهر منها ما هو إلّا قمة جبل الجليد.

 

يأتي هنا موضوع المزاريب الأساسية، وهي المرتبطة بشكل واضح بتحالف الشركة الوطنية مع فساد الهدر، بدءاً بالكهرباء، مروراً بالمعابر المفتوحة للمقاومة، حيث يتمّ التهرّب الجمركي والضريبي تحت شعار المقاومة. ثم تأتي قضية الفساد الوطني المتشابك بين الطمع والخيانة الوطنية، وهو ما يتعلق اليوم بتهريب العملات الصعبة والمازوت والبنزين إلى سورية، وهو مزراب مفتوح ساهم بالتأكيد بتدهور سعر صرف الليرة في الأشهر الماضية. وعندما يحدث كل ذلك، وإن بقيت هناك حاجة لتعاون من قبل المودعين بشكل مدروس بالهيركات، فأظن أنّ هؤلاء سيقبلون من دون احتجاج، أما عدا ذلك فما يحدث لن يعدو كونه سرقة جديدة لمصلحة الشركة الوطنية التي تحاول الاستمرار في الحياة. ومن يريد البحث عن الثقب الأسود، فما عليه إلّا الاستنارة بما سبق، ولا ينفع البحث عن ثقب في المصارف، أو المصرف المركزي، فهي فقط جزء من كل.