أخيراً أقرت خطة الإصلاح المالي الاقتصادي التي يستعجلها المجتمع الدولي منذ أشهر كي يقرر على أساسها النظر في المساعدة المالية عبر صندوق النقد الدولي لتوفير السيولة ومواكبة تنفيذها. وقبل أكثر من أسبوع أرسلت مسوّدتها إلى إدارة الصندوق كي يطلع خبراؤه الذين لعب بعضهم دوراً في تقديم الأفكار لها، فاعتبر إطارها العام إيجابياً وبعث بملاحظاته عليها. ويفترض الآن تلقف رأي الصندوق بتفاصيلها بعد التعديلات التي أدخلت عليها بالصيغة التي قبل بها الفرقاء الذين تتشكل منهم الحكومة.

 

وقبل أن تتمادى الاحتفالية الحكومية بإقرار الخطة، ويصاب اللبنانيون بخيبة الأمل إذا كانت الملاحظات الدولية عليها، واعتراضات بعض فرقاء الداخل ستفرض إعادة النظر فيها، لا بد من استباق الأمر ببعض ما رافق البحث المضني فيها، من دون تجاهل الجهد الذي بذله وزير المال غازي وزني بالتعاون مع الخبراء لإنجازها، مع ما واكب جهده من محاولات الافتئات على صلاحياته.

 

قال رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إنها خطة "أعدت لأول مرة" واعتبر دياب أنه "لأول مرة نمتلك خطة مالية إقتصادية"، فمتى يتوقف أركان الحكم عن التغني بأن التاريخ يبدأ معهم؟ وماذا ينفع تجاهل خطط سابقة، استندوا إليها في المسوّدة، وأضافوا إليها معالجة الانهيار المالي الذي لم يكن قد حصل مع أسلافهم؟ القيمون على إنجاز اليوم عادوا بالتأكيد إلى بعض عناوين إصلاحات باريس 1 و2 التي بدأها الرئيس الراحل رفيق الحريري منذ العام 2001، ثم الرئيس فؤاد السنيورة العام 2007 في باريس 3، ولم يتمكنا من مواصلة تطبيقها بفعل العراقيل السياسية إبان الوصاية السورية، ثم إبان الخلافات (8 و14 آذار) مع "حزب الله" في زمن السنيورة. ناهيك عما جرى تحديثه في تلك الإصلاحات في حكومة سعد الحريري الأخيرة، ثم في الورقة الإصلاحية التي أقرت قبل أسبوع من استقالته تحت ضغط الانتفاضة الشعبية في 29 تشرين الأول الماضي، والتي أخرتها مماحكات الوزير جبران باسيل... ثم ماذا عن اصلاحات "سيدر"؟

 

ليس عن عبث أن كل خطة وفكرة يبدأ التاريخ فيها مع هذا الفريق. هكذا يتلبّس تهمة إلغاء الآخرين بنفسه قبل أن يلصقوها به. التنقيب عن النفط بدأ معه، ولا وجود للمهندس غسان قانصوه الذي أعلن وجود الغاز والنفط منذ الخمسينات. ولا وجود لرفيق الحريري الذي طلب بدء المسح الجيولوجي أواخر التسعينات، ثم مطلع الألفية الثالثة، فحالت دونه الهيمنة السورية، ثم استكمال المسح مع السنيورة...

 

"للمرة الأولى" ينسب الفريق الحاكم لنفسه أنه طلب من شركات تدقيق مالي التحقيق في صرف أموال الدولة وموجودات مصرف لبنان، فيما حكومة السنيورة حولت مشروع قانون التدقيق المالي بكافة ما أنفقته الدولة ومؤسساتها، إلى البرلمان لإقراره منذ العام 2006 وما زال في الأدراج بحجة أن حكومته "بتراء" بسبب الخلاف مع "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" على المحكمة الدولية.

 

و"للمرة الأولى" توضع خطة الكهرباء العام 2010 بتولي جبران باسيل الطاقة واعداً بـ24 على 24، فيما مسوّدتها أعدها فريق الحريري قبل ترؤسه الحكومة يومها.

الثقب في الذاكرة يساوي إنكار "المرات" السابقة. والسؤال بعد إصلاحات "المرة الأولى" عما إذا كانت المعادلة السياسية التي ستفاوض الصندوق هي التي تثق بها الدول المانحة في مجلس إدارته. فهذه المعادلة حالت دون نجاح "المرات" السابقة.