ليس من السهل إجراء اي تصنيف واضح ودقيق للمعارضة في لبنان. فمنذ ان سقطت التسوية الرئاسية تعدّدت اشكالها وتنوّعت تحالفاتها. فإلى المعارضة الثابتة، التي تستعد للعودة الى الشارع، ولدت اخرى موقتة، وتنكّر آخرون لنيّاتهم قبل صياح الديك. وبحث آخرون عن معارضة يشكو منها رئيس الحكومة يومياً، فوجدوا جزءاً منها في «قلب الدار» الحكومي. وعليه، ما هو المُنتظر من «كوكتيل» المعارضات الجديدة؟
 

قدّمت الجلسة التشريعية على مدى يومين في قصر الاونيسكو اصنافاً جديدة من المعارضات، اعتبرها البعض «خلطة» جديدة، لا يجمع بين اطرافها اي شكل من اشكال التنسيق السياسي والحزبي ولا النيابي. فتفرّق الحلفاء حول رفضهم بعض البنود المُدرجة على جدول اعمالها، فيما التقى الخصوم على أخرى. وان توقف المراقبون امام البعض منها، يمكنهم القول انّ بعض الكتل النيابية الجديدة قد تفكّكت ولو في جلسة «يتيمة». وهو ما ادّى الى قراءة موقتة لخريطة المواقف المتناقضة، من دون ان تؤدي الى رسم خريطة جديدة لمعارضة ثابتة. فالتحالفات التي بنت مواقفها «على القطعة» لها ما يبرّرها في اكثر من زاوية، مع التوقع بانتهائها فور رفع الجلسة والخروج من القصر المحدث مقراً لتشريع الضرورة في عصر «الكورونا».

 

فقبل ان يدخل النواب باحة قصر الاونيسكو وافتتاح الجلسة، قدّمت المعارضة الثابتة عرضاً من عروضها، من خلال اعتراض نواب الكتائب على وجود مجموعات من المسلحين الحزبيين في محيط الاونيسكو. ورغم اصطفاف معظم النواب في موقف المتفرّج، متكّلين على توضيحات رئيس مجلس النواب نبيه بري بنفي الواقعة، لم يخف كثر منهم تقديرهم سراً للموقف وترحيبهم بالملاحظة افرادياً، وخصوصاً عندما فعلت فعلها لمجرد ان تداركت القوى الأمنية والعسكرية الامر، وأعادت انتشارها في المنطقة بعد سحب المسلحين منها.

 

لم يتوقف المراقبون عند الحديث العابر عن أمن الجلسة في محيط مقرّها، لأنّ ما شهدته ساعة بعد ساعة قد طواها بسرعة وتجاوز نتائجها الهامشية، قبل ان تقدّم المناقشات «الكوكتيل الجديد» من «المعارضة الموقتة»، بعدما قدّمت تلك الثابتة عروضها «السيّارة» على مدى اليومين في شوارع بيروت والمدن الكبرى.

 

فقد عبّرت التظاهرات السيّارة، التي احترمت تدابير «التعبئة المدنية» وتقاسم حركة السير بين الأرقام المزدوجة والمفردة على مدى يومين، عن جهوزية الثورة كحركة «معارضة شاملة» للتحرّك في اي وقت. وربما في عملية تُعدّ «بروفا» استعداداً للمرحلة التي ستلي فكفكة التدابير الإستثنائية. وهي مرحلة يُتوقع الانتهاء منها فور حصر «الكورونا» والخروج الى الحياة الطبيعية، ولو بنحو متدرج، وهو امر مؤجّل الى منتصف الشهر المقبل على الأرجح، إذا ما تمّ تمديدها اسبوعين اضافيين، بدءاً من ليل الأحد - الإثنين المقبل.

 

وبالعودة الى ما شهده قصر الأونيسكو، فقد اظهرت المواقف التي عبّر عنها النواب، او تلك التي اعلنتها الكتل النيابية، عن «كوكتيل» جديد من المعارضات، عن تفاهمها جميعاً على إمرار كل ما له علاقة بالقطاع الطبي ومواجهة الوباء. فقد القت كتل نيابية متناحرة، ومعها مجموعة من النواب المستقلين، بثقلها لتطيير مشروع قانون العفو العام الذي هندسته كتلتا «المستقبل» و»التنمية والتحرير»، اللتان لم تتمكنا من جمع حلفائهما حوله، رغم محاولات استدراج المعارضين. كما لقيت مشاريع واقتراحات قوانين أخرى حتفها، رغم رهان البعض على إمرارها في زمن «الكورونا»، لكنها لم تنجح، بعدما سقط معظمها بضربة خفيفة لمجرد «إسقاط صفة العجلة» عنها، فعادت الى اللجان النيابية، في انتظار جلسة اخرى لا يمكن تحديد موعدها من اليوم، بفعل التطورات المتلاحقة وظروف التعبئة العامة.

 

والى هذه الأمثلة التي قدّمت تحالفات جديدة وموقتة، فقد كان لافتاً البت بإقرار مشاريع واقتراحات أخرى، فصلت بين توأمين، كما حصل بالنسبة الى «مشروع قانون زراعة القنب الهندي»، الذي فصل «الثنائي الشيعي» للمرة الأولى، في وقت سُجّلت سابقة أخرى عند اسقاط اقتراح قانون تقدّم به النائب شامل روكز حول التنازل عن سندات «اليوروبوندز»، بفعل معارضته من كتلة «لبنان القوي» التي كان ينتمي اليها حتى الأمس القريب.

 

وامام هذه التجارب والأخرى التي لا يمكن تفنيدها، فقد كان واضحاً انّ مشروع قانون تقصير ولاية مجلس النواب الذي تقدّمت به كتلة نواب الكتائب لن يمرّ، ولكنه قدّم نموذجاً جديداً غير مألوف. وقد كان لافتاً تضامن خمسة عشر نائباً آخر مع نواب الكتلة، من زملاء لهم منفردين، من تيارات مختلفة ابرزها «المستقبل» و»الاشتراكي» و»التيار الوطني الحر» ومستقلون، فجاء بنكهات متعددة ومستغربة في آن، بقيت دون ان تقدّم اي صورة واضحة وجامعة، مع احتفاظ المؤيّدين من غير معدّي المشروع بنسبة عالية من المواقف الاستعراضية الموسمية.

 

وعدا عن هذه العروض النيابية التي شهدها قصر الأونيسكو، ثمة حديث عن معارضة أخرى يجري توليدها خارج المجلس النيابي، والتي ذهب البعض الى اتهام السفارة الأميركية بتركيبها، رغم حجم المصاعب التي تواجه مثل هذه الصيغة. فالرئيس سعد الحريري يلازم «بيت الوسط» بفعل الحَجر المنزلي لأربعة عشر يوماً، بعد عودته من باريس، تنتهي قبل نهاية الأسبوع المقبل، وهو امر ينفي الحديث الجدّي عن تحالفات جديدة. لا بل هناك الكثير مما لا يوحي بإمكان الوصول الى تشكيلة معارضة قابلة للحياة. فلا «القوات اللبنانية» في صدد إحياء تحالفها مع «المستقبل» ولا «الإشتراكي» عبّر عن النية بالتحالف مع اي طرف آخر، في ظلّ تفاهمه العميق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو ما يبقي كل هذه المشاريع معلّقة الى امد غير محدّد، طالما انّ المواجهة المباشرة مع «حزب الله» ليست واردة لديهم.

 

وعليه، فإنّ الحديث عن تشكيل معارضة بصيغة يمكن الرهان عليها ما زال بعيد المنال، ان لم يكن مشروعاً وهمياً يوحي به اهل السلطة لتبرير الفشل المالي والاقتصادي والنقدي كما الديبلوماسي. فمشاريع المواقف تُبنى وفق معادلة «كل ساعة بساعتها». فليطمئن اهل الحكم والحكومة الى عدم وجود من يعاندهم، على ان يتنبهوا الى مشاريع المعارضة الداخلية بين اهل «البيت الحكومي»، ففيها ما يكفي من الأفخاخ التي قد تقودها الى مرحلة الفشل في مواجهة اي من الاستحقاقات الكبرى المقبلة. والى حين حصول اي استحقاق مستجد ستُثبت هذه النظرية، ومن يستطيع ان يقدّم صورة معاكسة فليتفضل.