لو لم تثبت حكومة حسان دياب نجاحاً في إدارة أزمة «كورونا»، لكان بقاؤها اليوم على المحك.
 

نجحت الحكومة حتى في الاختبار الصحي، ولكن نجاحها في الاختبار المالي ما زال ينتظر الامتحان الذي تُكرّم على أساسه أو تُهان، وهو امتحان محددّ المدّة، واستنفدت فيه كل علامات الاستلحاق التي يلهث الطالب للحصول عليها لتعويض النقص في العلامات الأصلية.

 

يوم أمس، بدا وكأن لبنان يستعيد بهدوء أجواء ما قبل «كورونا»، فبين جلسة مجلس النواب، المحمية من الفيروس الخبيث، ومن الغضب الشعبي، وبين المسيرات السيّارة التي لامست الطوق الأمني المضروب حول قصر الأونيسكو، وبين عودة الخطاب الناري للمعارضة المستجدة، يشعر حسان دياب وكأنّه على وشك الخروج من عاصفة كورونية ليواجه بعاصفة سياسية - اقتصادية.

 

وإذا كان دياب قد جلس بثقة على مقاعد الحكومة المستحدثة في الجلسة البرلمانية المنعقدة في غير مكانها، مستفيداً من رصيده في مكافحة الانتشار الوبائي، فإنّ تلك الثقة قد تتلاشى في أية لحظة، في ظلّ التخبّط الذي بات العمل الحكومي يتسمّ به في الملف الاقتصادي.

 

بعد شهرين على «كورونا»، وسبعين يوماً على بدء فترة المئة يوم التي قرّرتها الحكومة لتنفيذ خطتها الإنقاذية، لا تزال الأمور تراوح مكانها.

 

صحيح أنّ الحكومة اتخذت الخطوة الأكثر جرأة باتخاذها قرار تعليق دفع سندات «اليوروبوندز»، وصحيح ايضاً أنّ أزمة «كورونا» يمكن ادراجها ضمن عنوان «الظروف الاستثنائية» التي يمكنها أن تعدّل الجداول الزمنية للخطة الانقاذية، إلاّ أنّ ذلك قد لا ينسحب بالضرورة على الحالة اللبنانية.

 

لا يكفي الحكومة أن تكون قد تقدّمت في ملفات وتعثّرت في أخرى، ولا سيما الملف المالي، الذي تزداد المقاربة المعتمدة فيه سوءاً، إن لجهة التناقض والتخبّط السائدين في اتخاذ القرارات، ابتداءً من مناورتي «الكابيتال كونترول»، الذي طُرح ثم سُحب، والـ»هيركات» التي أُديرت بالأسلوب ذاته، وصولاً إلى العجز الفاضح في التصدّي للكارتيلات التي تنهش الشعب اللبناني في لقمة خبزه، والتي رفعت الأسعار إلى مستويات جنونية، ولمافيات الدولار، التي دفعت بسعر الصرف الى ما فوق الـ3000 ليرة لبنانية، والتي لم تُواجه إلّا بـ»هيركات» من نوع آخر، فرضه «الحاكم بأمر المصارف» هذه المرة على اموال المغتربين المُرسلة عبر مكاتب التحويلات.

 

تكاد الإجراءات المُتخذة حتى الآن في مواجهة الأزمة الاقتصادية تنطبق تماماً على المثل الشعبي القائل، «ما فيك للبقرة بتنطح العجلة»، فيما حال المواطن في ذروة الانحدار والاهتراء. هذه الصورة ليست مجرّد كوميديا سوداء، بل هي في الواقع تراجيديا حقيقية، تلخّصها عبارة باتت على لسان كثيرين في الشارع: «اذا متنا من كورونا أفضل من أن نموت من الجوع».

 

غداً ينفد ما تبقّى من مدّخرات خجولة، نجح فيها البعض، ولا سيما المنتمون إلى الطبقة الوسطى المندثرة من توفير قرش أبيض ليوم أسود، ستصبح لقمة عيش المواطنين من كل الطبقات على المحك. حينها لن يشفع للحكومة حسن إدارتها للأزمة الصحية، وفاتورة الحساب ستكون طويلة، خصوصاً أنّها لم تعد تقتصر على املاك منهوبة وودائع محجوزة، لا بل مصادرة، وباتت تمسّ الأمن الغذائي الأكثر إثارة للغضب الشعبي.

 

كلما انحسرت عاصفة «كورونا» عن لبنان، خرجت أصوات الجياع والعاطلين من العمل من الحَجر غير الصحي، ما يجعل حكومة حسان دياب تقترب أكثر فأكثر من اختبار الشارع الذي لن يرحم أحداً.

 

وإذا كان قرار «الواتساب» المشؤوم قد ادّى فعله في تفجير الشارع ليل 17 تشرين الأول، فإنّ ما عاينه اللبنانيون في منازلهم خلال فترة الحَجر المنزلي سيؤدي فعله أيضاً، ولكن الفعل هذه المرة سيكون أقرب إلى تسونامي جارف، طالما أنّ المواطن لم يعد يملك ما يخسره.

 

سيتوقف المواطن العادي أمام أخبار من قبيل تجاوز سعر صرف الدولار 3250 ليرة لبنانية، أو أمام الكشف عن 3.7 مليارات دولارات تمّ تحويلها منذ مطلع العام إلى الخارج، فيما هو عاجز عن الحصول على حفنة دولارات يرسلها إلى ابنه العالق في الخارج! حينئذٍ لا يمكن محاججته بأنّ فترة المئة يوم لم تنتهِ، وبأنّ «كورونا» فرض أجندة وجدول أعمال جديدين، أو بأنّ ثمة من يريد الصيد في الماء العكر، تنفيذاً لأمر عمليات صادر من الولايات المتحدة لإسقاط الحكومة، إلى آخر تلك السرديات، التي لا تُطعم فقيراً خبزاً.

 

كل شي متوقع في العاصفة الجديدة، خصوصاً أنّ كل المؤشرات تُفيد بأنّ لبنان مقبل على اضطراب متعدّد الأوجه، تتقاطع فيه كل التناقضات، على نحو أكثر تفاعلاً مما حدث منذ 17 تشرين الأول وحتى بدء أزمة «كورونا».

 

تجربة الحراك الشعبي، بوجهه النقي حصراً، قد أظهرت أنّ الشارع، وبخلاف ما يتردّد عن فوضاه، تحرّك ضمن أهداف واضحة، لكن نقطة ضعفه كانت، ولا تزال، في أنّ طبيعته تسمح لأجندات سياسية خبيثة، بأن تركب موجته، إن لتصفية حسابات داخلية ذات امتدادات خارجية، أو للحفاظ على مكتسبات يشكو الحراك نفسه من عدم احقية المدافعين عنها، من أملاك منهوبة إلى أرباح تحققت من هندسات مالية كارثية، إلى آخر ثمار منظومة الفساد المتجدّدة منذ نهاية الحرب الأهلية وحتى يومنا هذا.

 

الإحباط الشعبي الذي ينتظر نهاية الحَجر لكي ينفجر مجدداً، هو تربة خصبة لهؤلاء الذين قرّروا إنهاء «فترة السماح» والتناوب على دور المعارضة لاستعادة مراكز نفوذهم السياسي المفقود، والحفاظ على ودائعهم في المنظومة المالية المهدّدة بالانهيار.

 

هل يكفي هذا الدور لشيطنة الحراك الشعبي مجدداً؟

قطعاً لا. لكن المسؤولية هنا تقع على عاتق الحكومة، لا سواها، بأن تتخذ ما يلزم من إجراءات حاسمة طال انتظارها لترميم جزء من الثقة المفقودة بين الدولة والمواطن، والتي تجعل من السهل على الخصوم المتربصين بها، وبالشعب في آنٍ معاً، أن يتلقفوا المبادرة مرّة أخرى، ليدفعوا بالبلاد نحو مغامرة سياسية جديدة، صار من المؤكّد أنّ الوضع الاقتصادي والاجتماعي، لم يعد يمتلك ما يكفي من موارد لجعلها مجرّد ترف سياسي ولّد أزمات تلو الأخرى، حتى وقعت الفأس في الرأس، ودخلت البلاد في نفق طويل، بات فيه الخروج الآمن إلى كوّة الأمان بعيداً، والخروج إلى كوّة الهاوية أكثر قرباً مما يتصوره أحد.

 

الفرصة لم تفت بعد. المسيرات السيّارة التي رافقت الجلسة التشريعية كانت مجرّد جرس انذار لانفجار مؤجّل على توقيت «التعبئة العامة»، يقترب تدريجياً موعد انتهائها بتراجع عاصفة «كورونا»، التي ستولّد منخفضاً جويّاً جديداً تصحبه عاصفة الغضب الشعبي.