منذ صدور مرسوم تأليف حكومة الرئيس حسان دياب في 21 كانون الثاني 2020، عقد مجلس الوزراء 20 جلسة، 18 منها بعد نيل الحكومة الثقة، ومعظمها برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. وفي مراجعة لمقررات المجلس، يتبيّن أنّ القرار المُشترك بين غالبية الجلسات هو: تشكيل لجان وإعادة النظر في لجان.
 

مرّ على وصول حكومة التكنوقراط الى «جنّة الحُكم ثلاثة أشهر، وتُشارف مدة الـ100 يوم التي حدّدها دياب لحكومته الأولى لتحقيق إصلاحات، على الإنتهاء، ولم يأخذ مجلس الوزراء حتى الآن أيّ قرار إصلاحي.

 

وعلى رغم أنّ وباء «كورونا» شكّل تحدياً طارئاً على حكومة «مواجهة التحدّيات»، وحَلّ أولويةً على طاولة مجلس الوزراء، إلّا أنّ هذا الأمر لا يبرّر «دوران الحكومة حول نفسها في دائرة مفرغة»، بحسب ما تقول جهات عدة موالية ومعارضة. فلم تحمل قرارات الحكومة أي تغيير في السياسة المُعتمدة من السلطات المتعاقبة، «change of policy».

 

حتى قرار وقف دفع سندات «اليوروبوندز»، تعتبر جهات عدة أنّه منقوص و»إثبات بطولة»، إذ إنّه لم يترافق مع رؤية بديلة وخطة للتفاوض مع الدائنين، وقد تشكّل «أزمة كورونا» العالمية، على رغم كلّ تداعياتها السلبية، عاملاً منقذاً للحكومة، في هذا الخصوص. وتقول مصادر سياسية وقانونية إنّ «تخلّف لبنان عن تسديد اليوروبوندز قبل كورونا شيء وبعدها شيء آخر، لأنّ التفاوض مع الدائنين الآن ينطلق من منطق مختلف عن الذي كان عليه قبل هذه الأزمة، ففي كلّ العالم انخفضت السيولة وارتفعت البطالة وتراجع النمو».

 

وفي حين قد يتفهّم المجتمع الدولي والجهات الدائنة تخلّف لبنان عن سداد ديونه، إلّا أنّ ما لا تتفهمّه الجهات الداعمة والمانحة هو عدم إسراع لبنان في تحقيق الإصلاحات المطلوبة. وترى جهات معارضة أنّ الحكومة تتلهّى بأمور كثيرة، مثل اللجان والإجتماعات والردود السياسية والعراضات الشعبوية.. فيما المطلوب واحد: الإصلاح.

 

ويقول نائب مطّلع على الاجتماعات المالية والإقتصادية مع الجهات الخارجية المعنية، إنّ «الخارج لا يترقّب من الحكومة كيف ستأكل حقوق المودعين وتغطّي خسائرها من أموال الناس بل كيف ستجري إصلاحاً»، مشيراً الى أنّ السفير بيار دوكان، المكلّف متابعة تنفيذ مقررات «سيدر»، لم يقُل للمسؤولين «صادروا أموال المودعين»، بل سأل عن الهيئات الناظمة ومجلس إدارة مؤسسة الكهرباء وتطبيق القوانين والإصلاحات المطلوبة».

 

وفي سلسلة المواقف المؤكّدة لضرورة تحقيق الإصلاحات المعروفة، قالت سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا، الأسبوع المنصرم في حديثٍ تلفزيوني، «إنّنا إذا أردنا تدرُّج العلاقات الثنائية إلى مستوى أعلى نريد أن نرى إصلاحات لجذور الفساد وما كان يطالب به الثوّار في 17 تشرين الأول». وكان سفراء الدول الأوروبية سألوا خلال الإجتماع الذي عُقد في 6 نيسان الجاري، بناءً على دعوة رئيس الجمهورية، عن الخطوة الاقتصادية والمالية والخطوات الإصلاحية في الكهرباء والقضاء وغيرها.

 

كذلك شكّل «تطيير» التعيينات المالية، بسبب الخلافات المحاصصاتية، نموذجاً لتخبّط الحكومة والنزاع الذي تعيشه بين صورتها «التكنوقراطية» وهويتها السياسية. وإنّ تعامل القوى السياسية المؤلّفة لهذه التشكيلة الوزارية مع الحكومة يُساهم أيضاً في تخبّطها، فتارةً تنتقد هذه القوى قرارات الحكومة أو ما يُسرّب من خططها وتغسل يديها منها، وتارةً أخرى تهدّد بسحب وزرائها إذا لم تلتزم الحكومة وجهة نظرها ومطالبها.

 

ويقول نائب ينتمي الى كتلة نيابية منحت الحكومة الثقة: «إنّه كان من المفترض أن تشكّل هذه الحكومة فارقاً، لكننا لم نشعر بأيّ فارق حتى الآن. فعلى سبيل المثال، لم نرَ مقاربة جديدة للتعيينات، بل توزيع وتقسيم ومبادلة في إطار المحاصصة. وهذا الأمر يُشكّل سقطة لرئيس الحكومة، فهو دخلَ في هذه اللعبة على رغم أنّه تراجع عنها، وكان يجب أن يفرض طريقته منذ البداية».

 

لا شكّ أنّ دياب من المسؤولين النشطين جداً، إلّا أنّ جهده هذا لم يُثمر حتى الآن. وهو يركّز أيضاً على توجيه رسائل سياسية ومحاولة تثبيت موقعٍ له بين اللاعبين السياسيين الكبار في لبنان. وتقول مصادر سياسية، إنّ مداخلاته خلال جلسات مجلس الوزراء وزيارته رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص تأتي في هذا الإطار. وترى أنّ على الوافد الجديد الى نادي رؤساء الحكومات أن يُبقي «رجليه عالأرض». وتعتبر أنّ ما يجب أن يثبته هو صدقية الحكومة من خلال إجراء إصلاحات وخطوات سريعة. وتسأل: «أين أصبح استبدال محطات المازوت بأخرى تعمل على الغاز؟ وأين تعيين مجلس إدارة الكهرباء الموعود، وأين الهيئة الناظمة لكلّ من قطاعي الكهرباء والإتصالات؟».

 

وعلى رغم من أنّ مصادر موالية تنتقد أداء الحكومة وتعتبر أنّها تتعاطى بخفة مع مسائل مصيرية، تقول إنّ «لا مجال حالياً للبحث عن بديل عنها، فالوقت الآن ليس لتأليف حكومات، ونحن مجبرون على الاستمرار في النقاش والحوار معها.. وإرشادها».

 

وترى مصادر معارضة، أنّ هذه الحكومة أظهرت، حتى الآن، أنّها لا ترغب في الاتجاه نحو إصلاحات حقيقية وجدّية أو أنّها «ممنوعة» من ذلك، حفاظاً على مصالح القوى السياسية التي ترعاها. إذ إنّ أيّ إصلاح جدّي يبدأ من وضع حدّ للمال السياسي الذي تجنيه هذه القوى من خلال الإستفادة من المؤسسات والمرافق العامة التي تضع يدها عليها، ووقف الزبائنية السياسية والتوظيف الإنتخابي في القطاع العام.

 

وفي حين ينتظر الداخل والخارج الخطة الإنقاذية - الإصلاحية الموعودة، وتتأثّر الأسواق المالية بما يُسرّب منها، قرّرت الحكومة عَقْد اجتماعات مع قطاعات عمل ومهن ومعنيين، للتشاور معهم قبل إقرار هذه الخطة. وإذ درج أن يعقد مجلس الوزراء معظم جلساته كلّ ثلاثاء وخميس، ينتظر اللبنانيون أن تحمل مقررات المجلس قراراً إصلاحياً أو إنقاذياً ما، «إذا مش التلاتا... الخميس».