لم يعد ممكناً إجبار الناس التي تعاني أن تبقى في منازلها ومنعها من ان تثور بوجه الجوع والبطالة التي اصبحت تطال ما يتجاوز ال40% من المواطنين، الامر الذي قد يؤدي إلى سقوط الحكومة في نهاية المطاف، تحت عناوين محقّة تحاكي أوجاع المواطنين وهواجسهم.
 

يبدو البلد  وكأنه في استراحة ما قبل هبوب العاصفة ، التي بدأت تباشير ورود طلائعُها الأسبوع الماضي من خلال ما جرى في طرابلس وصيدا بالاضافة الى المسيرات السيارة في العديد من المناطق واستعادتْ معها البلاد مناخات  انتفاضة 17 تشرين لتعود من جديد لتحاصر السلطة الحاكمة وتكمل الانتفاضة التي تشي في جولتها الثانية بأنها ستكون انفجار غضبٍ وقودُه الواقع المعيشي المفتوح على مآسٍ من نتاج أسوأ أزمة مالية  اقتصادية في تاريخ البلاد عمّقها فيروس كورونا وإجراءات احتوائه.

 

 يضاف كذلك الاستقطاب السياسي بعد هدنة كورونا والوقت المستقطع الذي مُنح للحكومة الجديدة لترتّب ملفاتها وتنطلق بمسار الإنقاذ المالي، دون ان ننسى إنعقاد الجلسة العامة للبرلمان في قصر الأونيسكو والتي ستشهد أول مواجهة وجهاً لوجه بين الحكومة وخصومها الذين ينظّمون صفوفهم .  وتشابكتْ هذه العناوين في بيروت، رغم عطلة الفصح لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الشرقي والتي شكّلت فسحةً لتقويم ما كان في الأيام الأخيرة وما قد يحمله الأسبوع الطالع، وسط انطباعٍ بأن خفوتَ صوت كورونا مع الانحسار المستمرّ في عدد الإصابات سيُعْلي مجدداً الأولويات السياسية  المالية التي تراجعتْ شكلياً، طوال فترة تَمدُّد الكورونا  الذي أصبح ما يشبه درع حماية للحكومة التي حاولتْ من خلاله تمرير اقتراحها الخروج من الانهيار المالي  الاقتصادي قبل أن تباغتها عمليات تفخيخ من داخلها كما من المعارضة، في ظل خشيةٍ من أن يصبح الفيروس وضرورات التحوّط الصحية التي تتخذ شكل التعبئة العامة أداةً لمحاولة قطع طريق الثورة العائدة التي تُنْذِر بفصولٍ أكثر حدة في الشارع قد يتداخل فيها السياسي بالشعبي. 

 

وكان بارزاً أمس أن مسار كورونا أكمل انحداره مع تسجيل إصابة واحدة فقط رفعت العدد الإجمالي للحالات الايجابية الى 673 وبقيت حالات الوفاة 21 بينها 99 حالة شفاء، من دون أن يشكّل هذا المنحى الايجابي، الذي يعكس أن الأمور ما زالت تحت السيطرة في ما خص هذا الفيروس الذي يجتاح الكوكب، عاملاً حاسماً لإعلان الانتصار على كورونا  في لبنان الذي ما زال ينتظر ما سيْفضي إليه بدء مرحلة الفحوص الشاملة على  مستوى المحافظات لتكوين صورة متكاملة عن حقيقة الإصابات غير المكتشفة .  

 

إقرأ أيضًا: لبنان بانتظار التسوية الاقليمية الكبرى

 

وعلى وهج عودة المتاريس السياسية بين الحكومة وخصومها وأبرزهم الرئيس سعد الحريري و وليد جنبلاط وسمير جعجع على خلفية خطة الانقاذ المالي للحكومة حيث شكلت بعض جوانب الاشتباك السياسي الأصلي بين ما كان يُعرف بقوى 14 آذار و8 آذار وهي العناوين التي تقاطعتْ أطراف في الحكومة مع معارضيها في الاعتراض عليها مثل الرئيس نبيه بري دون إغفال دور رئيس تيار المردة الوزير الاسبق سليمان فرنجية. ويسود حالة من الارتباك حيال المنحى الذي ستتخذه الجلسات ولا سيما بعدما أطلق رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة إشارات تحمل طابع هجومي بوجه خصوم الحكومة الذين لم يوفّروا مناسبة للتصويب على سياساتها المالية في ضوء ما كشفته مسودة خطة الإنقاذ من اتجاهات لتحميل القطاع المصرفي والمودعين فاتورة الانهيار المالي، من ضمن مسارٍ اعتُبر مقدمة لتغيير الهوية المالية الاقتصادية للبنان.

 

 وتأتي الجلسة النيابية في ظل وضع حساس جداً ، حيث ستسير الجلسة بين النقط، كما يقال، فمن جهة التخفيف من النتائج الكارثية لجائحة كورونا، والتخفيف عن المواطنين، الفاقدين لرواتبهم وحتى وظائفهم، وانهيار القوة الشرائية لما تبقى من رواتب، كتعليق أقساط الديون للمصارف، والعقارات من الضرائب والرسوم.. فضلاً عن قوانين مكافحة الفساد في القطاع العام، وتعديل قانون المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء إلى إلغاء السرية المصرفية، وتشكّل بعض بنود جدول أعمال الجلسة العامة صواعق يُخشى أن تفجّر برميل البارود السياسي وسط خشية متصاعدة من سلوك انتقامي تمهّد له السلطة للاقتصاص من خصومها وتثبيت تغيير التوازنات السياسية الداخلية. كما يبرز بند لا يقلّ إثارة للجدل يتمثّل في اقتراح قانون منح العفو العام عن بعض الجرائم. 

 

في المحصّلة، البلد يمر بمرحلة حساسة و صعبة وعلى الرغم من انتشار الكورونا يبدو اننا في اطار مرحلة ما قبل العاصفة التي تنتظر الحكومة الحالية، العاصفة التي بدأت ملامحها تظهر بحيث لم يعد ممكناً إجبار الناس التي تعاني أن تبقى في منازلها ومنعها من ان تثور بوجه الجوع والبطالة التي اصبحت تطال ما يتجاوز ال40% من المواطنين ، الامر الذي قد يؤدي إلى سقوط الحكومة في نهاية المطاف، تحت عناوين محقّة تحاكي أوجاع المواطنين وهواجسهم.