من المفيد في الأزمة الراهنة إعادة قراءة هذه الصفحة المطويّة من عمل النائب نهاد المشنوق  ليس بهدف الدعاية السياسية، فهو خارج الحكم وليس الزمن زمن انتخابات ولا استعراض. بل هو زمن امتحان الإرادات وتصفية النفوس لا تصفية الحسابات، وإشعال المشاعر الإنسانية لا إشعال الضغائن وإحياء الأحقاد والكيديات والدعوة للتعاون لا للتنافر.

كما أن طرح هذا الموضوع يأتي بالتزامن مع مبادرة النائب المشنوق بتقديم هبةٍ بمليون دولار أميركي ومليار ليرة لبنانية، من حساب "الجمعية اللبنانية لتأهيل السجون" إلى صندوق احتياط المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لتحسين أوضاع السجون والنظارات وتأمين مستلزمات حماية السجناء من وباء كورونا.

 

البداية كانت في السنة الأولى من تولّي الوزير المشنوق وزارة الداخلية، عندما أعطى توجيهاته للإهتمام بالشأن الصحي للسجناء في سجن رومية، بما في ذلك إجراء العمليات الجراحية بدون تكليف السجناء أي عبء ماديّ. لكن الإدارة المتكلّسة آنذاك عملت على تفريغ هذا التوجيه، ودأبت على المماطلة في إعطاء الأذونات للكشوفات الطبية لتعطيل هذا التوجّه. كما استطاع المشنوق تأمين مستوصف مزوّد بأحدث المعدّات الطبية تجاوزت كلفته 250 ألف دولار، لكن بعض الموتورين الذين كانوا يقودون التحركات في السجن حطّموا موجودات المركز متسبّبين بالأذى لكل السجناء الذين كانوا يعانون أشدّ المعاناة للحصول على العناية الطبية.

بلغت الأمور في سجن رومية عام 2015 حداً شديد الخطورة، عندما أصبح "المبنى ب" تحت سيطرة مجموعة متطرفة أخضعت السجناء لإرهابٍ فكريّ وجسديّ وأعدمت أحد السجناء لأنه يخالفها في الفكر، فضلاً عن تحوّل هذا المبنى إلى جزيرة معزولة عن القوى الأمنية التي لم تكن تستطيع القيام بالتعداد اليومي ولا التدخل لفرض الانتظام العام، والأخطر كان وجود أدوات اتصال تمكن من خلالها بعض السجناء الذين هيمنوا على المبنى من توجيه أعمالٍ إرهابية داخل وخارج لبنان. وهذا الوضع حتـّم القيام بعملية أمنية تمّت بالتنسيق مع رئيس الحكومة تمام سلام، بعد أن أصبحت كلّ المراجع الدولية تضغط لإنهاء حالة التمرّد في السجن.

بعد شهرين من العملية تسرّبت أفلامٌ أظهرت قيام عناصر في قوى الأمن الداخلي بتعذيب السجناء بشكلٍ وحشيّ، الأمر الذي أدى إلى ردات فعلٍ واسعة، أخذها المشنوق بصدره، وتحمّل مسؤوليته إزاءها، معلناً أنه سيتابع هذا الملف حتى النهاية "ولن أقبل بأي ارتكاب غير إنساني أو اعتداء على مسجون أياً تكن الأسباب".

وجد المشنوق في ما جرى فرصة لتطهير سجن رومية من إدارةٍ تسيء أكثر مما تعمل، فاتخذ سلسلة إجراءاتٍ بدأت بإحالة المسؤولين عن جريمة التعذيب إلى القضاء، لتشمل الإجراءات القضائية والمسلكية حوالي 60 عنصراً وضابطاً، ولأول مرة في لبنان، وربما في العالم العربي، يُسجن ويُحاسب "سجـّان" لأنه انتهك حقّ سجين.

وتابع المشنوق إجرءاته، فقام بتغيير كامل إدارة سجن رومية وجاء بإدارةٍ وعناصر جـُدداً، وقام بالتنسيق مع الجمعيات الحقوقية وبعض السفارات المهتمة بتدريب ضبّاط السجن حول قواعد العمل المتعلقة بالسلوك القانوني والإنساني، وقام بتعيين ضابطٍ مختص في مكتبٍ "حقوق الإنسان" في سجن رومية، وقام مستشارُه العميد منير شعبان بتشكيل لجان في طوابق سجن رومية تجتمع دورياً مع إدارة السجن لمناقشة أيّ إشكالٍ أو شكاوى لديها قبل أن تتفاقم . كان المشنوق أكثر الوزراء حرصاً على الحوار والمتابعة لملف الموقوفين الإسلاميين، وعلى الأخذ بالآراء والنصائح والمطالب، ومحاضرُ اللقاءات المتكرّرة بـ"هيئة علماء المسلمين" شاهدة على مدى الجهد الذي بذله في سبيل إحداث خرقٍ في جدار هذه المعاناة، وهو الذي لم يكن في موقع رئاسة الحكومة ولا وزارة العدل.

يمكن في هذا السياق ذكرُ الجهد الذي بذله المشنوق لتوفير عناصر العدالة لقضية الحاج حسام الصباغ الذي وقع ضحية الإستنساب القضائي والأمني وكان يواجه المحاكمة أمام المجلس العدلي الذي شاهدنا كيف كانت أحكامه بحق من وصلوا للمثول أمامه..

ويذكر أعضاءُ الهيئة الإدارية في هيئة علماء المسلمين ذلك الجهد الذي بذله المشنوق لنقل الشيخ أحمد الأسير من سجن الريحانية إلى سجن المعلومات في رومية، والعمل لتوفير الشروط الإنسانية والحقوقية له بعد أن كانت الشكاوى تتعالى من وضعه في الريحانية..

الخلاصة في هذا الملف أنّ من يعطي التوجيهات بالتطبيب والعناية الصحية لا يعطي الأوامرَ بالضرب والتعذيب، وأنّ سجن رومية لم يشهد منذ ثبـّت المشنوق إجراءات الحفاظ على حقوق الإنسان "ضربة كف"، والدليل أن كل الشكاوى حول هذا الملف توقفت تماماً.

ما كشفناه في هذه السطور دافعه القول لكلّ الذين يبنون حظوتهم عند الرئيس سعد الحريري، وللرئيس الحريري نفسه إن ما وصلنا إليه لم يعد يحتمل المناكفات ولا المضاربات في السياسة، فحالنا يستوجب المراجعة والتراجع عن الأخطاء، والكفّ عن محاولات إلهاء الرأي العام بافتعال الخصومات، فالأزمة الصحية والاجتماعية والاقتصادية أعمق وخطر من أن تُدار بعقلية التشفـّي والانتقام والعبث بما تبقـّى من مكامن القوّة عند أهل السنة وفي مكوّنات الوطن.