الإعتراضات التي أسقطت «خطة الهيركات»، أعادت الحكومة إلى المربّع الأوّل، وفرضت عليها سلوك المنحى الذي كان عليها أن تسلكه، قبل ان تدحرج جمرة «الهيركات» على ودائع اللبنانيين. وها هي تطلق من جديد حركة مشاورات اقتصادية ونقابية، لبلورة ما سمّتها خطّة الإنقاذ الاقتصادي والمالي، ولو انّها فعلت ذلك منذ البداية، لكانت وفّرت عليها كل هذا الإرباك والاحراج اللذين وقعت فيهما!
 

السفراء يستغربون التأخّر في طلب مساعدة صندوق النقد: «يحزننا ان نرى اللبنانيين المعروف عنهم حيويتهم ورفاهيتهم، قد تحوّلوا الى منتظرين لمساعدة عينيّة ومعونة غذائية»

رغم كل ذلك، لم تعترف الحكومة بأنّها استعجلت، أو بالأحرى تسرّعت، حينما اعتبرت أنّ الورقة التي أعدّتها «لازار» بالمشاركة مع بعض الخبراء، تشكّل الوصفة الملائمة التي تحقّق المناعة الدّاخلية الاقتصاديّة والمالية والاجتماعية، قبل أن تحملها الاعتراضات على «جريمة الهيركات» على ان تتنصّل منها وتعتبرها مسودّة أوّلية غير نهائيّة وقابلة للنقاش والتعديل.

  في النقاشات التي بدأتها الحكومة حول «خطة الإنقاذ المالي»، مع القطاعات الاقتصادية، وستستكملها لاحقاً مع ممثلي النقابات الحرّة، وفي مقدمها نقابة المحامين، حرص رئيسها حسان دياب على التأكيد اكثر من مرّة على انّ مسودة الخطة، لم تأتِ على ذكر «الهيركات»، وهذا صحيح، يؤيّده كلّ من اطلع على مضمون المسودة، ولكن في الوقت نفسه، كثيرون ممن اطلعوا عليها يخالفون هذا الرأي، لأنّ مضمون الخطة، وإن لم تُذكر فيه صراحة عبارة «الهيركات»، يشكّل المرادف له ويحدّد آلية المسّ بالودائع. وهو الامر الذي اشعل كل هذه الاعتراضات على المسودة، وأثار مخاوف المودعين على اموالهم.

في هذه النقاشات ايضاً، فهم الاقتصاديّون من الكلام الحكومي، انّها المرة الأولى منذ ثلاثين سنة، يُصار الى محاولة وضع خطة جدّية للإنقاذ المالي، وهذه نقطة سجّلها الاقتصاديّون للحكومة واثنوا على هذا التوجّه. ولكن، مع تقديرهم للجهد الذي يُبذل في هذا السبيل، نصحوا الحكومة بألّا تضع خطتها بصورة عشوائية، بالشكل الذي خرجت فيه المسودة السابقة. ونصحوا أيضاً بإجراء إعادة نظر شاملة بكلّ ما تضمنته المسودّة المُعترض عليها، ففيها الكثير من الثغرات الاساسية التي تحتاج الى إعادة تصويب، وعلى وجه الخصوص خلوّها مما يمكن اعتباره خريطة طريق نحو تحقيق انتعاش اقتصادي. هذه الملاحظة ابلغ رئيس الحكومة الاقتصاديين بأنّها ستؤخذ بعين الاعتبار.

  ولعلّ النصيحة الأهم التي اسداها الاقتصاديون، هي الّا تقارب الحكومة ودائع اللبنانيين، لا بـ»الهيركات» ولا بغير «الهيركات»، فهذا الامر يشكّل لغماً خطيراً، إن انفجر ستكون عواقبه وخيمة على البلد، ويؤدي الى انفجار اجتماعي خطير. الّا انّ هذه النصيحة أبقت على ثغرة يمكن للحكومة ان تدخل منها لاعتماد «هيركات جزئي»، يطال الفوائد على ودائع كبار المودعين.

حيال هذه المسألة يبرز رأي يقول، بألّا يأتي هذا «الهيركات الجزئي» بطريقة شاملة للصالح والطالح في آن معاً، بل يتوجب التمييز بين المودع الذي تعب في تحصيل أمواله، والمودع الذي استفاد من خيرات البلد وكوّن امواله بالسرقة والتشبيح، واستغلال السلطة، وعبر الهندسات المالية التي جنى من خلالها أرباحاً وفوائد طائلة على مدى سنوات. على ان يقترن هذا «الهيركات الجزئي» بإخضاع هذا النوع من المودعين الى قانون الإثراء غير المشروع ومن اين لك هذا. واما كيف يمكن التمييز بين مودع وآخر، فلا شيء صعباً على الدولة، إذ تستطيع الحكومة أن تأتي بحسابات الجميع، من سياسيين وغير سياسيين، وموظفين واقاربهم المباشرين، وتدقق في حساباتهم، ليتبيّن لها كيف تطوّرت وتراكمت فيها الاموال.

رئيس الحكومة حسان دياب، وكما لاحظ الاقتصاديون، كان متجاوباً مع ما طرحوه، ولا سيما مع النصائح التي اسدوها، لناحية سدّ ثغرات الخطة وضرورة تصويب مضمونها بالشكل الذي يؤتي بالثمار الإيجابية المرجوة، وعبّر عن ذلك بقوله: «هذا ما نريده ونسعى اليه بالفعل، نريد ان نسمع اراءكم وافكاركم، ولهذه الغاية ايضاً سنلتقي قريباً مع وفد نقابة المحامين وآخرين، وفي ضوء هذه الآراء والأفكار، سنطوّر ورقتنا الاقتصادية والمالية، ونقدّمها للمجتمع المحلي كخريطة طريق نحو معالجة الازمة، وايضاً الى المجتمع الدولي، وعلى اساسها سندخل في مفاوضات مع الدائنين وحَمَلة السندات».

وإذا كان الداخل اللبناني ينتظر مبادرة الحكومة الى خطوات اصلاحية تحرف لبنان عن سكة الانهيار الذي يهوي في اتجاهها، فإنّ المجتمع الدولي يضع هذه الحكومة تحت مجهره، ينتظر مبادراتها وإصلاحاتها، ولا يجد مبرراً لهدر الوقت وتضييعه على ما حاصل حالياً. وهذا ما عبّرت عنه اشارات صريحة وردت تباعاً، وآخرها عمرها ساعات قليلة، ونقلها سفراء غربيون، وكذلك سفراء امميون الى مسؤولين كبار في الدولة. وفي هذه الاشارات التحفيزية المتجددة سؤال مباشر: «لماذا تتأخّرون وتتباطؤون»؟

  ويتبع هذا السؤال كلام مباشر على لسان السفراء وفيه: « وضعكم الاقتصادي والمالي متفجّر، ننصحكم بأن تعجِّلوا في وضع خطتكم الاقتصادية والمالية، الوقت يداهمكم، فكلما تأخّرتم تتعقّد ازمتكم اكثر، ويصبح الضرر اكبر واكثر فداحة عليكم، ويعجّل بالانفجار الاجتماعي الذي إن وقع، قد لا يعود في امكانكم ان تضبطوه او تحتووه، فالجوع يقتل، وباعتراف الدولة اللبنانية هناك ما يزيد عن 50 % من الشعب اللبناني تحت خط الفقر. وما يحزننا ان نرى الشعب اللبناني المعروف عنه حيويته ورفاهيته، وقد تحوّل الى منتظر لأن تُقدّم اليه مساعدة عينيّة ومعونة غذائية، والمشهد الذي حصل في طرابلس قبل ايام (الاشتباك الذي حصل خلال توزيع الإعاشات). كان مؤسفاً بحق».

ويضيف السفراء: «الآن، ما زالت امامكم فرصة لتلافي الانفجار الاجتماعي وتفاقم الازمة اكثر. المطلوب اصلاحات فورية، وانجاز الخطة الاقتصادية، والتقدّم بها فوراً الى صندوق النقد الدولي طلباً لمساعدته، وكلما تأخّرتم بالتوجّه الى الصندوق بخطة متكاملة، تضعف ورقتكم. فلماذا حتى التأخير، خصوصاً وانّه بعد بروز فيروس «كورونا»، تقدّمت اكثر من 90 دولة الى صندوق النقد طلباً لمساعدته، ولبنان حتى الآن لم يتقدّم اليه بشكل رسمي، ما يعني انّ دوركم لينظر الصندوق في طلبكم، إن تقدّمتم به الآن، يأتي بعد الـ90 دولة، وصندوق النقد، وحيال تراكم الطلبات امامه، سيحتاج الى وقت طويل للنظر بها».

واللافت في كلام السفراء، هو التفهّم الجدّي لخطوة لبنان تعليق دفع سندات «اليوروبوندز»، وقد ابلغوا المراجع المعنية في الحكومة بما حرفيته، «انّ الحكومة اللبنانية السابقة كانت متهوّرة، نحن ننظر بأسى الى تلك الحكومة، لقد قامت بدفع ما مجموعه 9 مليارات دولار لسندات «اليوروبوندز»، رغم انّ الازمة التي وصل اليها لبنان كانت ماثلة امامها، ومع ذلك قامت بالتسديد، ولم تتخذ قراراً بتعليق الدفع، ولو انّها علّقت الدفع آنذاك لما عانى لبنان من ضائقته المالية الحالية، بل لكان وضعه افضل بكثير مما هو عليه الآن».

  ما يُخشى منه في هذا السياق، ان تركن السلطة هذه النصيحة الدولية الجديدة، الى جانب الكمّ الهائل من النصائح التي اسداها المجتمع الدولي الى لبنان، سواء قبل الازمة الحالية وبعدها. وهنا يذكّر أحد كبار الاقتصاديّين بما تبلّغه شخصياً من ممثل عن البنك الدولي، التقى به قبل اشهر، حيث قال الاخير ما حرفيته: «منذ سنة ونصف - هذا الكلام قبل اشهر - ونحن نقول للمسؤولين اللبنانيين قوموا بعملية اصلاح، واتخذوا خطوات تتمكنون من خلالها تعديل المسار الانحداري الذي يسلكه الاقتصاد اللبناني، الآن ما زلتم تملكون الإمكانات، ولديكم قدرات مالية في المصارف. وبناءً على ذلك نستطيع ان نجلس معاً حول طاولة واحدة ونتباحث في ما يمكن ان يساعد لبنان، ولكن تأخّركم في الاصلاحات ومكافحة الهدر والفساد، الذي إن استمر، سيطيّر ما تبقّى من اموال لبنان، ما يدفعنا لأن نقول لكم آسفين، انتم اليوم تأتون إلينا سائرين على اقدامكم، ونخشى مع تأخّركم هذا، ان تصلوا الى وقت تأتون فيه الينا راكعين، وعندها قد لا تكون لدينا القدرة على مساعدتكم».