استبعد كنط الميتافيزيقا الكلاسيكيّة (التي تعالج مشكلاتِ الله والنّفس والعالم) من مجال المعرفة البشريّة بعد اكتشافه عجز العقل البشري، بناءً على نقده للعقل المحض، عن البت في هذه المشكلات سلبًا أو إيجابًا. فمَنْ يؤكِّد أنّ الله موجودٌ والنّفسَ خالدةٌ والعالم متناهٍ بناءً على أدلّةٍ عقليّةٍ يدّعيها يقع، ولا شك، في مزاعمَ ميتافيزيقيّةٍ تتجاوز قدرة العقل البشري لأنّ مَلَكاتِ العقل البشري أو قدراته (الحساسية والفاهمة والمخيِّلة والعاقلة) لا تنجح إلا في التعامل مع الظّاهرات. لماذا الظّاهرات؟ لأنّ الحدوس الحسّيّة لا بدّ وأن تُعَالَجَ بوساطة البنية القبليّة أو المجاوِزة للعقل، فلا نعود، عندئذٍ، ندرك الأشياء كما هي في ذاتها، كما هي فيَّاها، بل كما تبدو لنا أي بما هي ظاهرات.

وكذلك الأمر من يعتقد أنّ العقل يسعفه في القول ب(أنّ الله غير موجودٍ والنّفسَ فانيةٌ والعالمَ غير متناهٍ) يقع هو الآخر، ولا شك، في مزاعمَ ميتافيزيقيّةٍ لا قدرة للعقل البشري على البت فيها. جديد النّقد الكنطي أنّه أعلن عجز العقل البشري باسم الفلسفة بناءً على نقدٍ للعقل المحض يبيِّن حدود العقل وقدراته مع أنّه اعتبر أنّ أسئلة العقل أصيلةٌ وإنْ بقي عاجزًا عن الإجابة عنها.

هل بذلك أفسح كنط في المجال حقًّا للإيمان أو الاعتقاد؟ بالرجوع إلى كتاب (الدين في حدود مجرّد العقل) ابتدع كنط دينًا جديدًا للبشريّة جمعاء لا ينذر بنارٍ ولا يبشِّر بجنّةٍ ولا يشبه الإيمان الذي نعرفه في الأديان السّماويّة. وكان كنط قد نبّه الإنسان إلى خطر الأوهام الملازمة للعقل.

بناءً عليه، بالإمكان القول إنّ كنط قد ترك أمر الله للإيمان. لكنّ هذا لا يثبت في رأيه صوابيّة الإيمان ولا لاصوابيّته. إذًا، هذا أمرٌ يعود، في رأي كنط، إلى دائرة اعتقاد كل إنسان. وعلى الإنسان أن يتواضع في ادعاء القبض على الحقيقة المطلقة في هذه المشكلات بناءً على النّقد الكنطي. ولا ننسَ أنّه حتى الأخلاق لم يؤسِّسها كنط على المرجعيّة الإلهيّة أو الضمانة الميتافيزيقيّة كما يسمّيها ديكارت. من هنا، نقول إنّ موت الله الذي أعلنه نيتشه في نهاية القرن التاسع عشر كان كنط قد ثبّته في نقد العقل المحض. لكنّ كنط أدخل الفلسفة في سباتٍ آخرَ هو السّبات الإناسي بعد أن منح العقل البشري مهمّةً إلهيّةً فوق بشريّة. وقد جاء فوكو في العام ١٩٦٦ ليعلن موت الإنسان في كتابه الكلمات والأشياء. ماذا بعد موت الله وموت الإنسان؟وهل هناك مجالٌ لنوعٍ من الإيمان؟ 

يبقى الأمر ممكنًا لأنّ العقل البشري يتنطح دائمًا للمطلق. وقد أشار باديو إلى أنّ فلاسفة ما بعد كنط لم يلتزموا حدود النّقد الكنطي. يبقى الإيمان ممكنًا، لكن من دون ادعاء القبض على الحقيقة المطلقة. وبذلك نؤسّس للتعارف والتنوع والاختلاف ونبني الدولة على أسسٍ محايدة، على أسسٍ عَلْمانيّة.