عندما تمّ انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الاميركية في نهاية العام 2016، شبّهت الصحافة الاسرائيلية الرجل القادم من خارج المؤسسات السياسية الاميركية بالصاروخ غير الموجّه، والذي عند انطلاقه لا أحد يعرف أين سينفجر.
 

في الواقع هذا ما ثبت خلال سنوات الولاية الاولى لترامب، حيث خاض معارك مدوية مع حلفاء بلاده وخصومها على حد سواء ووفق معايير تتبدّل باستثناء، واحدة شكّلت ركيزة سلوكه السياسي وهي تعزيز الاقتصاد الاميركي ولو على حساب المصالح السياسية.

ولكن، وقبل أشهر معدودة من معركة التجديد له، يَجد ترامب نفسه محشوراً في زاوية كورونا الصعبة وامامه ورقته الاقتصادية التي تحترق ببطء، وهو ما يعني انه سيعاود إطلاق «صواريخه» التي لا احد يعرف كيف وأين ستنفجر.

   

في سيرة حياة ترامب انه انطلق الى عالم الاعمال وحقق صعوداً مثيراً وفق مسار جريء أوصله الى عالم الميسر في لاس فيغاس، حيث ضاعفَ ارباحه واعماله خلافاً لنصائح والده بالابتعاد عن لاس فيغاس. لكنّ جرأته التي قاربت التهور، أدّت الى خسائر هائلة لاحقاً وضعته على شفير الافلاس. لكنّ ترامب كان يكابر ويرفض الاقرار بواقعه وكان يعلن العكس، الى حين أسعفه الحظ واعاد الى اعماله بعض الاتزان وأنقذه من الافلاس. ووفقاً لذلك لا بد من التوقع بأن ترامب سيكابر امام خسارة بلاده الاقتصادية، وهي الورقة التي طالما اعتَدّ بها، وسيذهب قي اتجاه مسارات متهورة لا عقلانية لإنقاذ وضعه السياسي مراهناً ربما مرة جديدة على الحظ لإنقاذه.

 

صحيح انّ منظمة التجارة العالمية تتوقع انخفاض التجارة العالمية بنسبة تتراوح بين 13 % و32 % هذه السنة، إلا انّ تداعيات هذا التراجع ستكون مؤلمة على الأسر والشركات الاميركية التي ستدخل أسوأ ركود في الولايات المتحدة وفي كل انحاء العالم. ورغم نجاح «اوبك» في الحد من انتاج النفط، الّا انّ اسعار برميل النفط ستبقى ما دون الـ40 دولاراً في المستقبل المنظور، وهو ما يعني انّ شركات النفط الاميركية ستشطب آلاف الوظائف وتجمّد العمل في الآبار القديمة وتفكيك الحفّارات ومعدات التكسير. ما يعني ايضاً انّ حالات الافلاس ستحصل ولو من دون تدمير كامل لقطاع النفط الاميركي. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كانت قد خفّضت توقعاتها للنمو في السنة الحالية الى نحو الصفر، مع اشارة الامين العام للمنظمة انجيل جوريا الى استمرار التأثير السلبي لفترة طويلة حتى ولو وُجِد علاج في القريب العاجل.

   

لذلك يجهد ترامب للظهور اليومي وفق اسلوبه بالاندفاع الى الامام، في محاولة للاشارة الى أنه قائد ادارة اخطر ازمة تواجهها البلاد، يشجّعه في ذلك الارقام المرتفعة للمشاهدة فهو يدرك انّ حضوره اليومي في منازلهم بسبب تقييد حرية الحركة، هو مسألة مهمة في جَعْله حاضراً بقوة يوم الانتخاب. لكن احد الخبراء الجمهوريين القريبين من البيت الابيض لا يعتقد انّ الوضع يَصبّ في مصلحة ترامب، ويقول انه «اذا نظرنا الى استطلاعات الرأي فسنجد انّ التأييد لترامب ليس مرتفعاً قياساً الى اننا في ذروة الازمة، ما يتطلّب تضامناً وتأييداً واسعين للرئيس في العادة». ما يعني انه بمرور الوقت ستتدهور الاوضاع بالنسبة الى ترامب. لذلك، يجد ترامب نفسه محشوراً وملزماً بإطلاق صواريخه. هو اعترض على أيّ تفكير بتوسيع مروحة البدائل للاقتراع، وأبرزها من خلال البريد الالكتروني حماية لحياة المقترعين، رغم انه كان هو نفسه قد اقترع بالبريد الالكتروني منذ نحو شهر ونصف الشهر في الانتخابات التمهيدية الرئاسية في فلوريدا، ذلك انّ الخشية هي أنّ الاقتراع الالكتروني سيرفع من نسبة اقتراع مؤيدي خصمه الذين ما تزال تعوزهم الحماسة للذهاب الى صناديق الاقتراع. ترامب يجهد لإعادة فتح المناطق خلافاً لتوصيات القطاع الصحي، خشية موجة ثانية أقوى تؤدي الى «تسونامي» من الخسائر البشرية. هو مهتمّ باستعادة عافية الاقتصاد من دون الالتفات الى ارقام الضحايا وأمر وزارة الخزانة الاميركية بطَبع اسمه على شيكات المساعدة والبالغة 1200 دولار اميركي الى عشرات الملايين من الاميركيين، تماماً على طريقة اهل السياسة في لبنان، وهو ما يحصل للمرة الاولى عند الاميركيين. ووَجّه صاروخاً في اتجاه الصين في محاولة للايحاء بأنها «صنعت» هذا الفيروس ما يَستوجب معاقبتها. لكنّ نظرية «المؤامرة» لم تنجح الى درجة انّ رئيس هيئة الاركان الاميركية الجنرال مارك ميلي صرّح أنّ غالبية الادلة تشير الى انّ «كوفيد 19» هو من إنتاج الطبيعة. ووجّه ترامب صاروخاً آخر في اتجاه منظمة الصحة العالمية محمّلاً إيّاها وزر اخطائه التي أدّت الى الكارثة. فألغى المساهمة المالية لبلاده، والتي كانت تبلغ 58 مليون دولار سنوياً. لكنّ الصاروخ الاهم الذي كان ينوي إطلاقه كان في اتجاه نفوذ ايران على الساحة العراقية. لكنّ ثمة مسألتين عرقلتا اندفاعه: الاولى، تتعلق بالحرب النفطية التي نشبت بين الرياض وموسكو، والتي مالت خلالها واشنطن لتحميل السعودية مقداراً اكبر من المسؤولية وكان كلام بومبيو معبّراً جداً حين ذكّر في خضمّ الأزمة المسؤولين السعوديين بالشراكة الاميركية ـ السعودية في مواجهة السلوك الاقليمي للنظام الايراني «المزعزع للاستقرار». والثانية، تتعلق بالاصابات الواسعة بكورونا في الجيش الاميركي والتي بلغت 2618 إصابة بين الضباط والجنود و1509 بين الموظفين والمتعاقدين مع وزارة الدفاع، وهو ما حَتّم تجميد تنقلات الجيش الاميركي.

   

كان الجيش الاميركي يستعد فعلياً لمواجهة عسكرية، فاستقدمَ بطاريات صواريخ «باتريوت» وبطاريات صواريخ من انواع اخرى. وجمع قواته في قاعدتي «عين الاسد» غرب الانبار وحرير شرق اربيل، اضافة الى وجود في معسكرات قرب بغداد. كذلك غادر معظم العاملين في السفارة الاميركية. في المقابل وضعت فصائل عراقية مسلّحة حليفة لإيران صواريخ متوسطة واسلحة نوعية في قواعد عسكرية للجيش العراقي لحمايتها من الطائرات الاميركية. واتخذت القيادات في هذه الفصائل إجراءات طارئة مثل تغيير اماكن وجودها ومَبيتها وحتى ارقام هواتفها. وظهر تنظيمان جديدان تبنّيا الهجمات الصاروخية على القوات الاميركية وهما «عصبة الثائرين» و»اصحاب الكهف»، وقيل انهما يتبعان لفصائل كتائب «حزب الله» و»النجباء».

 

لكن «كوفيد 19» الذي لم يصالح طهران مع واشنطن هو ايضاً فرمَل نية التصعيد حتى الآن على الاقل.

 

ربما جاء مَن ينصح الادارة الاميركية بتشديد الخناق المالي اكثر على ايران، فهو أنفع في هذه الظروف. لذلك تتجه واشنطن الى رفض طلب طهران من صندوق النقد الدولي قرضاً بقيمة 5 مليارات دولار. وهي ستكون ثاني سابقة بعد رفض الصندوق طلباً لفنزويلا. فخطاب السيّد خامنئي في مناسبة عيد النوروز كان مختلفاً هذه المرة عمّا سبقه، فهو اشار الى انّ العام الماضي كان صعباً وعاصفاً بدأ بالفيضانات وانتهى بفيروس كورونا.

 

في العادة يكون خطاب خامنئي اكثر تحدياً، لكنّ المشكلة ان ترامب يريد حدثاً يحمل دوياً قوياً يصل الى كل مقترع اميركي، وليس كسب نقاط في سجلات الخبراء والمراقبين السياسيين. هو يتجه الى التهور كلما اقترب الوقت ويراهن على ابتسامة حظ جديدة، كما حصل معه سابقاً.